بالرغم من أنه حتى لحظة كتابة هذا المقال لم يتم بعد التوقيع الرسمى على الاتفاق أو النشر للنص الكامل له- أو مذكرة التفاهم، التى تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران- والذى كان يجرى التفاوض حوله مند أكثر من شهرين، وتحديدًا منذ ما بعد وقف إطلاق النار المؤقت الذى أعلنته الإدارة الأمريكية فى 8 أبريل 2026، بالرغم من الخروقات الكثيرة التى تعرض لها هذا الوقف المعلن والمؤقت لإطلاق النار منذ ذلك الوقت، فإن ما تم تسريبه من الجانبين الأمريكى والإيرانى على مدار الأيام القليلة الماضية ربما يكفى لإعطاء صورة ما عن معالم الموضوعات والقضايا التى تم تناولها فى هذا الاتفاق وعن منهج معالجته لها وللكيفية التى من المفترض، طبقًا لهذا الاتفاق الأخير، أن تسير عليه الأمور فى الفترة القادمة.
وبداية يتعين أن ننفى عن الاتفاق أو مذكرة التفاهم المنتظرة صفة الاتفاق النهائى لتسوية كل موضوعات النزاع الذى أدى إلى حربين فى 2025 و2026 بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أو حتى الجزء الخاص بالنزاع فيما بين واشنطن وطهران، وإنما هو أقرب إلى اتفاق قانونى ملزم بوقف إطلاق النار، سواء على الجبهة الإيرانية، أو على الجبهات الأخرى، بما فيها الجبهة اللبنانية، على الرغم من تأكيد الجانب الإسرائيلى أنه لا يترتب عليه انسحاب إسرائيل من الأراضى اللبنانية التى تحتلها حاليًا، بالإضافة إلى وضعه خريطة طريق للتفاوض حول الموضوع المفترض أنه الموضوع الرئيسى الذى عللت به واشنطن وتل أبيب الحربين الأخيرتين، وهو موضوع الملف النووى الإيرانى، مع الاتفاق على فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بحرية ورفع الحصار الأمريكى المفروض على الموانئ الإيرانية، وإن كان الجانب الإيرانى ذكر أنه سيتفق مع سلطنة عمان لاحقًا على إيجاد إجراءات لتنظيم الملاحة فى المضيق، وهو ما يعنى ضمنيًا إمكانية فرض رسوم مرور على السفن والناقلات المارة عبره، وكذلك خرجت إشارات إلى أن بعض الأرصدة الإيرانية المجمدة فى الخارج قد يتم الإفراج عنها وبعض العقوبات الخارجية المفروضة على إيران، خاصة الأمريكية وربما أيضًا الغربية بشكل عام، قد يتم تخفيفها، وأخيرًا أنه قد يتم إيجاد آلية ما، من غير الواضح بعد مصادر تمويلها، تساعد إيران، وربما الدول الأخرى فى المنطقة التى تضررت من جراء العمليات العسكرية، على إعادة بناء ما دمرته الحرب الأخيرة.
وتقودنا القراءة المتأنية لهذه العناصر التى تم تسريبها حتى الآن، إن خرجت بالفعل كما هى فى الاتفاق الذى من المقرر التوقيع عليه فى سويسرا يوم الجمعة 19 الجارى، إلى الخروج بعدد من الملاحظات الأولية والمبدئية انتظارًا لخروج الاتفاق فى صورته النهائية الموقع عليها من الطرفين الأمريكى والإيرانى، وذلك على النحو التالى:
وأول تلك الملاحظات ما يتصل بتحول موضوع الملاحة فى مضيق هرمز من مسألة لم تكن مثارة على الإطلاق ولم توجد أى إشكاليات بشأنها قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى انطلقت فى 28 فبراير 2026، إلى ما يصفه غالبية المراقبين والمحللين إلى أنه محور مذكرة التفاهم التى من المنتظر التوقيع عليها يوم 19 الجارى، وهو ما تظهره الإدارة الأمريكية وتروج له باعتباره إنجازا كبيرا حققته، أى ضمان حرية الملاحة فى المضيق بعد توقيع مذكرة التفاهم. إلا أن تحليل تسلسل الأحداث خلال الحرب وفى الفترة التى أعقبت وقف إطلاق النار المعلن من قبل الإدارة الأمريكية فى 8 أبريل 2026 يقودنا بالضرورة إلى استنتاج هو أن الجانب الإيرانى نجح فى إيجاد مسألة خلافية، بل وأثرت ولا تزال على العالم بأسره، خاصة بالنسبة لإمدادات الوقود والأسمدة والمواد الغذائية، من لا شىء؛ حيث لم تكن مسألة حرية الملاحة فى مضيق هرمز مطروحة أصلًا كموضوع خلافى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، وتحولت هذه المسألة إلى كونها مسألة أساسية موضع نزاع بفعل إيجاد الجانب الإيرانى لها كورقة ضغط فى يده خلال الفترة الأخيرة من العمليات العسكرية وبعد وقف إطلاق النار الأمريكى فى 8 أبريل 2026، وذلك لموازنة ما يملكه الطرفان المعاديان لإيران من أوراق ضغط.
وبالتالى، فإن تحول موضوع حرية الملاحة فى مضيق هرمز إلى ما يراه المحللون باعتباره الموضوع الرئيسى فى مذكرة التفاهم المزمع التوقيع عليها، هو أمر يعد بكل المعايير الموضوعية مكسبًا سياسيًا ودبلوماسيًا لإيران ويشكل نجاحا لاستراتيجيتها الخاصة بإدخال موضوع حرية الملاحة فى المضيق ضمن مطالب وشروط الجانب الأمريكى، وربما أيضًا مدفوعًا من بعض أو كل حلفائه الغربيين، لإنهاء العمليات العسكرية بشكل نهائى ولهدنة تمهد لمفاوضات حول الملف النووى الإيرانى، ومقابل إنهاء الحصار الأمريكى المفروض على الموانئ الإيرانية على الخليج، وأدى ذلك إلى تأجيل الحسم فى موضوع الملف النووى الإيرانى، والمفترض أنه الأكثر أهمية بالنسبة للجانبين الأمريكى والإسرائيلى، وهو الملف الذى يبدو أن الجانب الإيرانى كان حريصًا على عدم تقديم أى تنازلات مبكرة أو مجانية بشأنه فى هذه المرحلة الراهنة على الأقل.
أما الملاحظة الثانية، فهى أنه هناك الكثير من القضايا المؤجلة، والتى يبدو أنها ربما حتى الآن ليس من الواضح أنها سوف تكون مشمولة بالمفاوضات المرتقبة على مدار 60 يومًا، باعتبار أن ما تسرب باعتباره الموضوع الرئيسى لتلك المفاوضات هو الملف النووى الإيرانى، بكل ما يحمله هذا الملف أصلًا من تعقيدات مثل موضوع معدلات تخصيب اليورانيوم التى سيتم قبول الأمريكيين قيام إيران بها وكذلك مصير المخزون من اليورانيوم الذى سبق لإيران تخصيبه بمعدلات مرتفعة وأيضًا الترتيبات المستقبلية التى سيتم التفاوض حولها بشأن الرقابة والتفتيش على المنشآت النووية الإيرانية، ومن ضمن تلك الموضوعات الأخرى التى ربما بعضها على الأقل لا يقل أهمية لدى الجانبين الأمريكى والإسرائيلى عن الملف النووى الإيرانى هو موضوع ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، وملف العلاقات الإيرانية مع عدد من الجماعات والتنظيمات التى تراها واشنطن وتل أبيب معادية لها فى المنطقة، وذلك يشمل على وجه الخصوص، ولكن ربما ليس على سبيل الحصر، «حزب الله» اللبنانى، حركة حماس وبعض التنظيمات الفلسطينية الأخرى المدعومة من جانب إيران، جماعة «الحوثيين» فى اليمن، وعدد من الجماعات والميليشيات الشيعية الموالية لإيران فى العراق، كذلك هناك ملف مستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية وأطرافها، سواء تعلق ذلك بمنطقة الخليج على سبيل التحديد أو بالشرق الأوسط بشكل عام.
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة ضمن عدد محدود من الملاحظات المبدئية التى نوردها على مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الوشيكة، فهى تكمن فى أنه بالرغم من الترحيب الإقليمى والدولى الواسع بالاتفاق الأمريكى الإيرانى، بما فى ذلك من جانب الأمم المتحدة، مع تشديد المرحبين به على أنه يجب أن يضمن وقفًا نهائيًا للعمليات العسكرية تحترمه وتلتزم به أطراف الحرب الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، ويتصف بالاستدامة، وكذلك الانعكاسات الأولية الإيجابية للاتفاق على الاقتصاد العالمى، فإن هناك أصوات وتسريبات خرجت من قوى معارضة لهذا الاتفاق، على الأقل من اثنتين من الدول المشاركة فى الحرب، وأعنى هنا إسرائيل وإيران، ففى حالة إسرائيل خرجت أنباء عن تحفظات لدى بعض الساسة، بمن فيهم من اليمين الإسرائيلى الذى ينتمى إليه رئيس الوزراء الحالى، وكذلك من جانب بعض القادة العسكريين، على ما اعتبره هؤلاء عدم تنسيق كافٍ أو كامل من جانب الإدارة الأمريكية مع الحكومة الإسرائيلية قبل التوصل للاتفاق من جهة، وتشديدهم على أن الاتفاق لا يشمل لبنان من جهة أخرى، أما على الجانب الإيرانى، فقد كان خروج مظاهرات معارضة للاتفاق الأيام القليلة الماضية دليلًا على أن هناك أطرافًا ضمن صفوف النخبة السياسية الحاكمة فى طهران لا تعتبر هذا الاتفاق انتصارًا لإيران ولديها تحفظات عليه، وربما جاء هؤلاء أو بعضهم من صفوف من يطلق عليهم «المتشددون» من جهة، أو من يطلق عليهم «المحافظون» أو «التقليديون» من جهة أخرى.
وختامًا، فلا شك أن الأمر يحتاج لخروج النص النهائى للاتفاق الأمريكى الإيرانى، والمتوقع له الجمعة 19 يونيو 2026، حتى يمكن إبداء ملاحظات شاملة ومتكاملة على ما تضمنه وما لم يتضمنه.