المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب.. السيناريو الثانى: تعاظم دور «المعتدلين»
تناولنا فى مقال سابق نُشر فى جريدة «الشروق» الغراء (عدد الخميس الموافق 21 مايو 2026) السيناريو الأول من السيناريوهات المتوقع حدوث أحدها على صعيد المشهد السياسى الداخلى الإيرانى فى حالة وضع نهاية شاملة ونهائية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتمثل ذلك السيناريو فى تعاظم قوة ووزن وتأثير «الحرس الثورى»، وما يرتبط بذلك من تصاعد سلطة التيارات والشخصيات التى يطلق عليها «المتشددة» داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة فى إيران.
ونتناول فى هذا المقال السيناريو الثانى المحتمل تحققه على أرض الواقع، وهو يتعلق بفرص وإمكانات تعاظم دور وتأثير وسلطة التيارات والشخصيات والعناصر التى يطلق عليها «المعتدلة» داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة فى طهران. ويوجد العديد من الاعتبارات التى يجب أخذها فى الحسبان عند عرض وتحليل احتمالات تحقق هذا السيناريو.
وأول هذه الاعتبارات هو أنه يتعين أن نتذكر دومًا أن النتيجة التى ستخرج بها نهاية الحرب الحالية سيكون لها دور، سواء بالسلب أو بالإيجاب، فى مصير وزن وقوة التيارات المسماة بـ«المعتدلة» وتلك التى يطلق عليها تعبير «المتشددة» فى هيكل وبنية السلطة السياسية الإيرانية فى فترة ما بعد الحرب. وسوف يتوقف هذا الأثر بشكل كبير على رؤية الشارع الإيرانى، وما ستقوم بالتعبير عنه السلطات الإيرانية من رؤية، وما سيظهره الإعلام العالمى والرأى العام الدولى من رؤى، وكذلك مواقف مختلف الأطراف المباشرة وغير المباشرة فى هذه الحرب وتفسيراتها لنتيجة الحرب وتقييمها لمن الخاسر ومن المنتصر فيها، أو إن كانت النتائج التى سوف تنتهى بها متوازنة، ولو نسبياً، وفيها ما يرضى كافة أطرافها المباشرة.
أما ثانى هذه الاعتبارات فهو أن تعبيرات مثل «المتشددين» أو «المعتدلين» يجب دائما فهمها وتفسيرها والتعامل معها بحرص وحذر وتحفظ، على أساس أنها تصدر من وجهة نظر من يطلقها، أى أنه يقوم بتصنيف من هم «متشددون» ومن هم «معتدلون» فى صفوف القيادة السياسية الإيرانية من منظور القضايا التى تهم هذا الطرف الخارجى أو ذاك، وعلى خلفية مواقف هذه العناصر فى القيادة الإيرانية تجاه تلك القضايا. ويترتب على ذلك أن تلك التصنيفات لا تتفق بالضرورة مع تصنيفات الداخل الإيرانى أو حتى مجمل قوى المعارضة السياسية الإيرانية، سواء داخل البلاد، علانية كانت أم سرية، أو خارج البلاد، تجاه توصيف من هو «متشدد» ومن هو «معتدل» فى صفوف القيادة السياسية الإيرانية بشكل خاص أو مجمل النخبة السياسية الإيرانية فى عمومها.
ويكمن ثالث الاعتبارات التى يتعين إدراكها والوعى بأهميتها فى أن هناك مقولة سائدة لدى عدد لا بأس به من المحللين المتخصصين فى الشأن الإيرانى تجمع بين طرحين؛ أولهما أن هناك تقسيمًا للأدوار داخل صفوف النخبة السياسية الحاكمة فى إيران، بحيث يظهر للعالم الخارجى أو للشعب الإيرانى أن هناك «متشددين» و«معتدلين»، بينما الواقع أن الاثنين وجهان لعملة واحدة أو، على أفضل تقدير، أن التباينات بينهما هامشية وثانوية وليست رئيسية وجوهرية كما يبدو للبعض، حيث إن الجميع مصمم على الحفاظ على أسس نظام «ولاية الفقيه» بدون إدخال أى تغييرات ذات قيمة عليه. أما المكون الثانى لهذا الطرح فهو أن هناك نظامًا متعمدًا منذ تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فى عام 1979 بأن يتم تدوير منصب رئيس الجمهورية بين من يسمون بـ«المتشددين» ومن يسمون بـ«المعتدلين»، لكسب القاعدة الشعبية الداعمة للنظام من جهة، ولكسب تعاطف قطاعات من الشعب الإيرانى لديها تحفظات على هذا النظام من جهة ثانية، وللظهور بمظهر الديمقراطية وتداول السلطة أمام الداخل والخارج على حد سواء من جهة ثالثة. إلا أن سلطات رئيس الجمهورية تبقى فى كل الأحوال محدودة، أما السلطة الحقيقية، طبقاً للدستور وللواقع، فتبقى بيد المرشد الأعلى، وهو منصب حافظ عليه من يسمون بـ«المتشددين» منذ نشأة هذا النظام طبقاً لرؤية البعض، أو من بعد وفاة آية الله الخمينى فى عام 1989 طبقاً لرؤية البعض الآخر.
أما رابع الاعتبارات التى يجب أخذها فى الاعتبار عند تحليل فرص من يسمون بـ«المعتدلين» فى مستقبل المشهد السياسى الإيرانى الداخلى بعد انتهاء الحرب، فهو أن هذا التعبير يطلق عادة على أساس افتراض يفتقر، فى العديد من الأحيان، إلى أى معايير منطقية أو أى منهج موضوعى، أو للدقة، يجمع بين مجموعات وشخصيات قد تكون فيما بينها اختلافات ربما يفوق بعضها ما بينها وبين من يسمون بـ«المتشددين» من اختلافات. فالواقع أن هذا التعبير العام الفضفاض الخاص بـ«المعتدلين» يضم فى طياته أطيافًا تتراوح بين من يندرج تحت العنوان العريض للتيارات والشخصيات الإسلامية التقدمية، سواء كانوا من أتباع وتلاميذ الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمى، وكذلك القطاع العريض من تلاميذ ومريدى الراحل آية الله سيد محمود طلقانى والمفكر الإسلامى الكبير الراحل الدكتور على شريعتى. وهؤلاء لديهم رؤية تدعو لتبنى تفسيرات تقدمية على المسارين الاقتصادى والاجتماعى بغية تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية لصالح الطبقات الدنيا والوسطى فى المجتمع الإيرانى، بينما يدعون إلى قدر من الانفتاح والتعددية على الصعيدين السياسى والثقافى. وبينما يدعو بعض أتباع هذا التيار إلى القيام بمراجعات وتغييرات ذات طابع جوهرى قد يمس بعضها أسس النظام الدستورى والقانونى والسياسى القائم منذ صدور دستور عام 1979 لتوجيه ذلك النظام نحو تبنى أشكال ومضامين ديمقراطية وتقدمية، فالبعض الآخر يكتفى بالدعوة إلى القيام بمراجعات لهذه الأسس وإعادة تكييفها وأقلمتها من الناحيتين الفكرية والسياسية، وبما يتلاءم أيضًا مع تطور واحتياجات ومطالب الشعب الإيرانى.
ومن جهة ثانية، يضم تعبير «المعتدلين» من يسمون بـ«الإصلاحيين»، وهم الذين يرغبون فى الأساس فى إدخال تغييرات على الأداء السياسى والاقتصادى والاجتماعى لأجهزة الدولة والمؤسسات التابعة لها بما يحقق الشفافية والكفاءة والفعالية وإمكانية المحاسبة لتلك الجهات، وبما يتجاوب أيضًا مع تطلعات قطاعات عريضة من الشعب الإيرانى التى ترفع المطالب نفسها. كما يسعى أصحاب هذا الاتجاه إلى تخفيف القيود والضغوط اليومية التى تتعرض لها بعض قطاعات الشعب الإيرانى، سواء كان مبعثها أو تبريرها دينيًا أو سياسيًا أو أمنيًا، وتحسين تعامل أجهزة الدولة، بما فيها تلك الأمنية، مع المواطنين، وتجنب، أو التقليل من، استخدام العنف فى مواجهة أى احتجاجات سلمية، سواء كانت شعبية أو فئوية. ولا يقوم أصحاب هذا التوجه بأى محاولة لإجراء تغيير أو تعديل جوهرى أو أساسى فى التوجهات الأيديولوجية للدولة، ولا يدعون إلى أى مراجعات ذات طابع بنيوى أو هيكلى للنظام السياسى القائم على أساس مبدأ «ولاية الفقيه»، وإنما فقط إلى إدخال بعض الإصلاحات هنا وهناك.
ومن جهة ثالثة، فإنه يندرج ضمن صفوف معسكر ما يتم جمعه معًا تحت عنوان «المعتدلين» تيارات وشخصيات ذات توجهات ليبرالية داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة فى إيران، تأثر بعضها فقهيًا وفكريًا بالراحل آية الله شريعة مدارى، الذى توفى فى عام 1986، وبعضها الآخر ينسب نفسه تاريخيًا أبعد من ذلك إلى تلك المجموعة من رجال الدين الذين أيدوا الثورة الدستورية فى إيران، التى جرت خلال الفترة الممتدة بين عامى 1906 و1911، وكذلك أولئك الذين استمروا على موقفهم الداعم لحكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية الديمقراطية فى الفترة ما بين عامى 1951 و1953، فى مواجهة عداء الشاه الراحل محمد رضا بهلوى من جهة، وتآمر كل من المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية (إم آى 6) عليه من جهة أخرى. ويسعى هؤلاء إلى تمرير حزمة من الإجراءات التى تساعد على تحرير الاقتصاد بشكل أكبر من سيطرة المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة ومؤسساتها، بما فى ذلك التابعة للحرس الثورى، كما يسعون إلى حماية الحرية الاجتماعية للمواطنين الإيرانيين بشكل أكبر، خاصة النساء، ووقف تغول الأجهزة الدينية والأمنية على حرياتهم الشخصية تحت مبرر التحدث باسم الإسلام. ومن ثم يدعو هؤلاء أيضاً إلى توسيع هامش حرية التعبير على الصعيدين السياسى والثقافى، على نحو يتسق مع تطلعات قطاعات من الشعب الإيراني، خاصة من الطبقتين الوسطى والعليا.
أما التيارات والشخصيات التى تكون جزءًا رابعًا مما يطلق عليه إجمالاً «المعتدلون»، فهم من يمكن أن نصفهم بالتيار التحديثى داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة فى طهران، وهم يهتمون أساسًا بضرورة تحديث النظام القائم والدولة والمجتمع، بما يضمن للصيغة الحاكمة البقاء والاستمرارية ويقلل من إعطاء الفرص للمعادين لها للإطاحة بها أو لتعبئة الدعم والتأييد لزعزعة استقرارها. كما يعتبر هؤلاء أن هناك ضرورة لإيلاء المزيد من الاهتمام والدعم من الدولة وأجهزتها لتطوير وتحديث التعليم والبحث العلمى وأنشطة التطوير التكنولوجى، خاصة فى ظل توقع استمرار نهج من جانب الدول الغربية بفرض شروط أو قيود صعبة على نقل المعارف والتكنولوجيا إلى الجانب الإيرانى. كذلك يسعى أتباع هذا التيار إلى تحديث الجهاز الإدارى للدولة وإدماج أحدث معطيات التقدم التكنولوجى، مع توظيف تلك المعطيات أيضاً لزيادة كفاءة وأداء الأجهزة الحكومية، وفى الوقت ذاته لتعزيز تأمين النظام القانونى والسياسى القائم فى البلاد.
وبالرغم من هذا الاعتبار الأخير، أى بالرغم من الإقرار بوجود اختلافات مهمة بين من يتم تصنيفهم بشكل جماعى فى خانة «المعتدلين»، فإنه لا يجب استبعاد احتمالية تجمعهم معاً فى مربع واحد فى لحظة تاريخية قادمة بغرض الإطاحة بمن يسمون بـ«المتشددين»، أو على الأقل إضعافهم والسعى للحصول على الجزء الأكبر من سلطة اتخاذ القرار فى إيران فى المستقبل، إذا ما كانت الفائدة التى ستعود عليهم وعلى رؤاهم سوف تتحقق عبر توحيد صفوفهم، ولو حتى بشكل مرحلى ومؤقت.