أتلانتيك».. «كش ملك» فى إيران - مواقع عربية - بوابة الشروق
الأحد 17 مايو 2026 8:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أتلانتيك».. «كش ملك» فى إيران

نشر فى : الأحد 17 مايو 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأحد 17 مايو 2026 - 6:55 م

«كش ملك فى إيران: واشنطن لا تستطيع عكس أو السيطرة على تداعيات خسارة هذه الحرب». هو العنوان الذى اختاره الكاتب والمؤرخ اليمينى الأمريكى روبرت كاجان لمقالته التى نشرت فى مجلة «أتلانتيك» الأمريكية، علمًا أن كاغان من المُصنفين فى خانة «المحافظين الجدد» ولديه مواقف متطرفة إزاء منطقة الشرق الأوسط والصراع العربى الإسرائيلى. ماذا تضمن المقال؟

من الصعب التفكير فى لحظة تعرضت فيها الولايات المتحدة لهزيمة كاملة فى صراع ما؛ هزيمة حاسمة إلى درجة أن الخسارة الاستراتيجية لا يمكن إصلاحها أو تجاهلها. فالخسائر الكارثية التى مُنيت بها الولايات المتحدة فى بيرل هاربور والفيلبين وفى أنحاء غرب المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية جرى عكسها لاحقًا.

أما الهزيمة فى المواجهة الحالية مع إيران فستكون ذات طبيعة مختلفة تمامًا. لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. لن يكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولا انتصار أمريكى نهائى يمحو الضرر أو يتجاوزه. مضيق هرمز لن يكون «مفتوحًا» كما كان فى السابق. فمع سيطرة إيران على المضيق، ستبرز لاعبًا رئيسيًا فى المنطقة وأحد اللاعبين الأساسيين فى العالم. كما ستتعزز أدوار الصين وروسيا، حليفتى إيران، فيما سيتراجع دور الولايات المتحدة بشكل كبير. وبدلًا من إظهار القوة الأمريكية كما ادعى أنصار الحرب مرارًا، كشف الصراع عن أمريكا غير قادرة على إكمال ما بدأته وغير جديرة بالثقة. وهذا سيطلق سلسلة تفاعلات عالمية فيما يعيد الأصدقاء والخصوم على حد سواء التكيف مع فشل الولايات المتحدة.

الآن تأمل إدارة ترامب أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة العسكرية الهائلة. وهذا ممكن نظريًا، لكن نظامًا لم يركع بعد خمسة أسابيع من الهجمات العسكرية المتواصلة من غير المرجح أن ينهار بفعل الضغط الاقتصادى وحده. لذلك يدعو بعض أنصار الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يشرحون كيف يمكن لجولة جديدة من القصف أن تحقق ما لم تحققه 37 يومًا من القصف. كما أن أى عمل عسكرى إضافى سيدفع إيران حتمًا إلى الرد على دول الخليج ، وليس لدى دعاة الحرب جواب على ذلك أيضًا.

لم يوقف ترامب الهجمات على إيران لأنه شعر بالملل، بل لأن إيران بدأت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية فى المنطقة. وجاءت نقطة التحول فى 18 مارس عندما قصفت إسرائيل حقل غاز «جنوب فارس» الإيرانى، فردّت إيران بمهاجمة مدينة رأس لفان الصناعية فى قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعى فى العالم، ما تسبب بأضرار ستحتاج سنوات لإصلاحها. عندها أعلن ترامب وقفًا للهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم أعلن وقف إطلاق النار، برغم أن إيران لم تقدم أى تنازل.

إن الحسابات التى دفعت ترامب إلى التراجع قبل شهر ما تزال قائمة. وحتى لو نفّذ تهديده بتدمير «حضارة» إيران عبر مزيد من القصف، فإن الجمهورية الإسلامية ستظل قادرة على إطلاق العديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبيل سقوط النظام، إذا سقط أصلًا. وعدد قليل فقط من الضربات الناجحة قد يشل البنية التحتية النفطية والغازية فى المنطقة لسنوات وربما لعقود، ما سيدخل العالم والولايات المتحدة فى أزمة اقتصادية طويلة. إذا لم يكن هذا «كش ملك»، فهو قريب جدًا منه.

ففى الأيام الأخيرة، طلب ترامب بحسب التقارير من أجهزة الاستخبارات الأمريكية تقييم عواقب إعلان النصر والانسحاب ببساطة. ولا يمكن لومه على ذلك. فالتعويل على انهيار النظام ليس استراتيجية حقيقية، وبخاصة أن النظام صمد بالفعل أمام ضربات عسكرية واقتصادية متكررة. قد يسقط غدًا، أو بعد ستة أشهر، أو ربما لا يسقط أبدًا. لكن ترامب لا يملك ترف الانتظار طويلًا، فى وقت يقترب فيه سعر النفط من 150 أو حتى 200 دولار للبرميل الواحد، وترتفع فيه معدلات التضخم وتبدأ أزمات الغذاء والسلع عالميًا.

من يبادرون إلى دعوة ترامب بخفة إلى أن «ينهى المهمة»، أى أن يواصل الحرب، لا يُقدّرون الكلفة. فإذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام الإيرانى الحالى واحتلال إيران حتى قيام حكومة جديدة؛ وإذا لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة سفنها الحربية التى ترافق ناقلات النفط عبر مضيق متنازع عليه؛ وإذا لم تكن مستعدة لتحمل الأضرار الطويلة الأمد التى قد تلحق بقدرات المنطقة الإنتاجية نتيجة الرد الإيرانى، فإن الانسحاب الآن قد يبدو الخيار الأقل سوءًا.

• • •

وعليه، فإن هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة فقط، بل مرجحة. وهذا ما تبدو عليه الهزيمة:

- تبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. فالافتراض الشائع بأن المضيق سيُعاد فتحه بطريقة أو بأخرى بعد انتهاء الأزمة لا يستند إلى أساس واقعى. إيران ليست مهتمة بالعودة إلى الوضع السابق. كثيرون يتحدثون عن انقسام بين المتشددين والإصلاحيين فى طهران، لكن حتى المعتدلين يدركون أن إيران لا تستطيع التخلى عن السيطرة على المضيق مهما كانت الصفقة جيدة.

- الإيرانيون لا يمكنهم الوثوق بأى اتفاق مع ترامب، الذى تفاخر ضمنيًا بتكرار مفاجأة بيرل هاربور عبر موافقته على قتل القيادة الإيرانية خلال المفاوضات. وهم يعلمون أيضًا أن إسرائيل قد تعود إلى الهجوم فى أى وقت إذا شعرت بأن مصالحها مهددة.

- مصالح إسرائيل ستكون مهددة بالفعل. وكما أشار العديد من الخبراء، فإن النظام فى طهران قد يخرج من الأزمة أقوى مما كان قبل الحرب، بعدما احتفظ بإمكاناته النووية المحتملة، وحصل أيضًا على سلاح أكثر فعالية: القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمى رهينة.

- عندما يتحدث الإيرانيون عن «إعادة فتح» المضيق، فهم يقصدون إبقاءه تحت سيطرتهم. ستتمكن إيران ليس فقط من فرض رسوم عبور، بل أيضًا من تقييد المرور للدول التى تربطها بها علاقات جيدة. وإذا تصرفت دولة بطريقة لا تعجب حكام إيران، فسيكون بإمكانهم معاقبتها عبر إبطاء أو التهديد بإبطاء حركة سفنها التجارية.

- إن القدرة على إغلاق المضيق أو التحكم بحركة السفن فيه أكثر تأثيرًا وفورية من القوة النظرية للبرنامج النووى الإيرانى. وستمنح هذه الورقة قادة طهران قدرة على فرض رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، وإلا فالعقوبات المضادة جاهزة.

- أما إسرائيل، فقد تجد نفسها أكثر عزلة من أى وقت مضى، فيما تصبح إيران أكثر ثراءً وتعيد تسليح نفسها وتحافظ على خيارها النووى للمستقبل. وقد تجد إسرائيل نفسها عاجزة حتى عن ضرب حلفاء إيران ووكلائها، لأن العالم الذى تصبح فيه إيران مؤثرة فى إمدادات الطاقة سيضغط بقوة لمنع أى استفزاز ضد طهران فى لبنان أو غزة أو غيرهما.

- الوضع الجديد فى المضيق سيؤدى إلى تحولات كبيرة فى موازين القوة والنفوذ إقليميًا وعالميًا. ففى المنطقة، ستبدو الولايات المتحدة «نمرًا من ورق»، ما سيدفع دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى التكيف مع إيران. ولن تكون تلك الدول وحدها. فكل الدول التى تعتمد على طاقة الخليج ستضطر إلى التوصل إلى ترتيبات خاصة مع إيران.

فما البديل؟ إذا كانت الولايات المتحدة بأسطولها البحرى الضخم عاجزة أو غير راغبة فى فتح المضيق، فلن يتمكن أى تحالف آخر أضعف منها من القيام بذلك. وقد تكون إحدى نتائج هذا التحول انطلاق سباق تسلح بحرى عالمى.

ففى الماضى، كانت معظم دول العالم، بما فيها الصين، تعتمد على الولايات المتحدة لمنع مثل هذه الأزمات أو معالجتها. أما الآن، فإن الدول الأوروبية والآسيوية المعتمدة على موارد الخليج تجد نفسها عاجزة أمام تهديد فقدان الطاقة الضرورية لاستقرارها الاقتصادى والسياسى.

وسيكون للهزيمة الأمريكية فى الخليج تداعيات عالمية أوسع. فالعالم بأسره يرى الآن أن بضعة أسابيع فقط من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية كانت كافية لاستنزاف مخزون الأسلحة الأمريكى إلى مستويات خطيرة، من دون حل سريع لتعويضه. والأسئلة التى يطرحها ذلك حول جاهزية أمريكا لصراعات كبرى أخرى قد تدفع أو لا تدفع شى جين بينج إلى مهاجمة تايوان، أو فلاديمير بوتين إلى تصعيد عدوانه ضد أوروبا، لكنها ستجعل حلفاء الولايات المتحدة فى شرق آسيا وأوروبا يشككون فى قدرة أمريكا على الصمود فى أى صراع مستقبلى.

موقع 180

 

التعليقات