تُعد قناة السويس، فى الاقتصاد السياسى المعاصر، شريانًا حيويًا يعكس صورة وتفاعلات وتعقيدات النظام الاقتصادى العالمى. كما أن طريقة إدارة هذا الشريان تعبر عن الرؤية الاستراتيجية للدولة المصرية لمحيطها الإقليمى وموقعها العالمى، وطريقة تعاملها فى إدارة واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية المصرية داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. ما شهدناه خلال العامين الماضيين من تذبذب فى مؤشرات الإيرادات نتيجة للظروف الدولية، كان اختبارًا لمدى تمتع الدولة المصرية بالمرونة فى مواجهة الصدمات والأزمات العالمية والإقليمية التى أثرت على الملاحة العالمية، ولا سيما فى الشرق الأوسط، من وباء كوفيد إلى الحرب الروسية ــ الأوكرانية، ثم الحرب على غزة، ثم حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وهذا النوع من الاختبارات ليس سهلًا؛ لأنه يتعلق بالدخل القومى المصرى فى ظل ظروف عالمية وداخلية معقدة، ومن ثم فقد مثل تحديًا مباشرًا للأمن القومى، وكان كل قرار بشأنه دقيقًا وحساسًا ويتطلب رؤية أوسع من مجرد الإدارة اللوجيستية للملاحة فى القناة.
• • •
لفهم طبيعة المشهد الحالى، علينا أولًا أن نضع أيدينا على تعريف واضح لما يُعرف بـ«أزمة البحر الأحمر». فهذه الأزمة، التى بدأت ملامحها المباشرة تتشكل بعد أسابيع قليلة من هجمات ٧ أكتوبر وما تلاها من حرب إسرائيلية على قطاع غزة، لم تكن فى جوهرها مجرد مشكلة ملاحية عادية تتعلق بالقرصنة، بل كانت مشكلة أكبر وأوسع تتعلق بالحرب وبتصفية حسابات سياسية وأيديولوجية بين أطرافها المباشرة. القصة بدأت عندما قررت جماعة الحوثى فى اليمن ــ إحدى أدوات النظام السياسى فى إيران ــ استهداف السفن التجارية المارة عبر مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ. هذا التحول، الذى وظف ممرات التجارة المائية كورقة ضغط سياسى، خلق حالة من الارتباك الشديد والخانق فى سلاسل الإمداد العالمية. النتيجة المنطقية والمباشرة كانت لجوء تحالفات الشحن البحرى الكبرى إلى تغيير مسار سفنها هربًا من مخاطر الاستهداف والارتفاع الجنونى فى أسعار التأمين، فاختارت طريق رأس الرجاء الصالح الطويل، وتكبدت بسبب ذلك تكاليف باهظة ووقتًا مضاعفًا، ولكن كان هذا بالنسبة لها خيارًا أفضل وأرخص من خيار المرور عبر البحر الأحمر.
أمام هذا الظرف الاستثنائى الذى فُرض على المجرى الملاحى المصرى من الخارج، جاءت الأرقام لتعكس حجم الصدمة بوضوح. فبعد إيرادات تاريخية فى عام ٢٠٢٣ اقتربت من ١٠.٢٥ مليار دولار أمريكى، تراجعت العوائد إلى نحو ٤ مليارات دولار فى ٢٠٢٤ بسبب هذه التحويلات الجبرية لمسارات السفن. هذا التراجع، بطبيعة الحال، لم يكن عيبًا فى كفاءة إدارة القناة أو تراجعًا فى قدرتها التنافسية، بل كان نتيجة حتمية لتحول منطقة البحر الأحمر إلى مسرح حرب!
لكن، بمراقبة الإحصاءات الأحدث، وخصوصًا تلك المتعلقة بعام ٢٠٢٥، يمكننا أن نلاحظ بوضوح حركة تعافٍ واقعية وواعدة تبعث على التفاؤل. ففى الفترة من يوليو إلى أكتوبر ٢٠٢٥، أعلنت هيئة قناة السويس زيادة إيراداتها بنسبة ١٤٫٢٪ مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، مع عبور ٤٤٠٥ سفن بحمولات بلغت نحو ١٨٥ مليون طن. بل إن شهر أكتوبر ٢٠٢٥، ومع إعلان مصر التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحماس، شهد عودة تدريجية لسفن تابعة لخطوط ملاحية كبرى قررت اختبار المرور مجددًا عبر القناة بعد حصولها على تطمينات بشأن الملاحة عبر هذا الطريق. هذا التحسن الملموس لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة لخطوات سياسية وإدارية.
• • •
سياسيًا، تحركت الرئاسة والخارجية المصرية، بالإضافة إلى عدة مؤسسات مهمة أخرى، من أجل التهدئة، وتم التواصل مع كل أطراف الحرب، سواء فى إسرائيل أو إيران، فضلًا عن حركة حماس والولايات المتحدة الأمريكية، وكان من شأن هذه التحركات التوصل إلى الهدنة واتفاق وقف إطلاق النار، وهو السبيل الوحيد لإعادة حركة الملاحة بشكل طبيعى إلى القناة. أما من الناحية الإدارية واللوجستية، فقد تحركت هيئة القناة بخطوات عملية؛ حيث قدمت تخفيضات مالية مدروسة فى رسوم العبور لبعض فئات السفن لتعويضها بشكل مباشر عن الارتفاع الحاد فى تكاليف التأمين. وفى الوقت نفسه، فتحت الإدارة خطوط اتصال يومية مع غرف عمليات شركات الشحن العالمية، لا لتطمينهم بالشعارات، بل للاستماع الحقيقى لمخاوفهم وتعديل الخدمات الملاحية لتقليل فترات انتظار السفن وتسريع عبورها، مما جعل القناة تظل خيارًا اقتصاديًا مغريًا لا يمكن تجاهله رغم كل التحديات.
ولا يمكن، بأى حال، أن نفهم هذا التماسك دون النظر إلى الدور العملى والمحورى للسياسة الخارجية المصرية فى إدارة الأزمة. فقد اختارت القاهرة طريق التوازن والهدوء، وتجنبت الانجرار أو الدخول فى أى تحالفات عسكرية فى البحر الأحمر من شأنها زيادة الاشتعال، مفضلة الحفاظ على الصورة التاريخية لقناة السويس كممر ملاحى وتجارى دولى محايد وآمن يخدم الجميع. الدبلوماسية المصرية لم تتعامل مع الأعراض، بل ذهبت إلى أصل المشكلة؛ حيث كثفت جهودها وتدخلاتها كوسيط قوى لإنهاء الحرب فى غزة بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، كما أوضحنا. هذه التحركات الهادئة والمتزنة أرسلت رسالة قوية ومهمة لأسواق الملاحة العالمية: صانع القرار فى مصر يدير الأزمة بعقلانية خالصة ويبتعد تمامًا عن المغامرات غير المحسوبة، وهو ما مهد الطريق بقوة لعودة الثقة التدريجية لشركات الشحن التى تبحث دائمًا عن الاستقرار.
هذا الأسلوب العملى والواقعى فى الإدارة يتوافق تمامًا مع ما خلصت إليه تقارير كبرى مراكز الأبحاث الدولية. ففى تقرير نُشر فى فبراير ٢٠٢٤، أكد المجلس الأطلسى Atlantic Council أن حماية الملاحة فى قناة السويس ومداخلها هى مسئولية تقع على عاتق الاقتصاد الدولى، ولا تتحملها دول العبور وحدها. وهو ما توافق بوضوح مع تقرير البنك الدولى الصادر فى أبريل ٢٠٢٤، والذى ربط بين آفاق نمو التجارة العالمية واستقرار الملاحة فى البحر الأحمر. أما دراسة International Crisis Group الصادرة فى مارس ٢٠٢٤، فقد جاءت لتؤكد عمق وصحة الموقف الدبلوماسى المصري، حين أشارت بوضوح إلى أن تأمين البحر الأحمر لن يمر عبر الحلول العسكرية العنيفة، بل يبدأ حتمًا بإنهاء حرب غزة وخفض التوتر فى المنطقة بأكملها.
• • •
الحقيقة أن كل هذا يوصلنا إلى حقيقتين مهمتين، إحداهما متعلقة بمحددات سياستنا الخارجية، والأخرى متعلقة بمستقبل القناة كمجرى ملاحى عالمى ومصدر رئيس للدخل القومى المصرى. أما الحقيقة المتعلقة بسياستنا الخارجية، فتتعلق بأهمية تبنى سياسة خارجية مرنة وقابلة للتواصل مع الجميع، من دون حدود أيديولوجية أو مواقف سياسية جامدة؛ لأن موقع مصر ومصادر دخلها القومى يعتمدان على القدرة على القيام بأدوار الوساطة، وهو ما يتطلب قدرًا من البرجماتية المحسوبة، وأعتقد أن هذا ما قام ويقوم به صانع القرار المصرى بخصوص أزمات المنطقة، وتثبت الأيام صحة هذه المواقف رغم تعرضها، بين الحين والآخر، لانتقادات، بل وفى بعض الأحيان لمزايدات!
أما الحقيقة الأخرى المتعلقة بمستقبل القناة، فهى أن تأمين مصالحنا فى القناة لا ينبغى أن يعتمد فقط على انتظار زيادة حركة المرور عبرها، ومن ثم زيادة رسوم العبور، بل يجب استغلال هذا الموقع لخلق تنمية حقيقية ومستدامة. وهنا يبرز الدور الأهم للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. الحل العملى والدائم لمواجهة أى أزمة فى حركة السفن هو تحويل محيط القناة إلى مصانع، ومناطق خدمات لوجستية، ومحطات لتموين وصيانة السفن. ببساطة، عندما نربط القناة بشبكة الصناعة والتجارة العالمية على الأرض المصرية، سيصبح من المستحيل على العالم الاستغناء عنها أو إيجاد بديل لها، وخصوصًا فى ظل وجود عدة مشروعات دولية وإقليمية تحاول خلق مشروعات منافسة، وهو أمر أثق أنه لا يغيب عن صانع القرار المصرى.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر