حين نتحدث عن «الأمن الإقليمى»، فنحن لا نقصد فقط حماية الحدود أو منع الحروب بين الدول، ولكن المقصود هو تطوير قدرة مجموعة من الدول المتجاورة على بناء قواعد مشتركة تمنع التهديدات الكبرى، وتدير الصراعات، وتخلق حدًا أدنى من الاستقرار يسمح لكل دولة بأن تحمى نفسها من دون أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة للفوضى أو التدخلات الخارجية. هذا المعنى ليس نظريًا فقط، بل هو جوهر فكرة أن أمن الدولة فى الإقليم لا ينفصل تمامًا عن أمن جيرانها، وأن التهديدات القريبة عادة ما تكون أخطر من التهديدات البعيدة!
• • •
فى الحالة العربية، ظهرت مبكرًا محاولة واضحة لبناء هذا النوع من الأمن الإقليمى. فقد تأسست جامعة الدول العربية سنة ١٩٤٥ باعتبارها الإطار السياسى الجامع للدول العربية، ثم جاءت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى سنة ١٩٥٠ لتمنح هذا الإطار بعدًا أمنيًا وعسكريًا أكثر وضوحًا. الفكرة وقتها كانت بسيطة ومباشرة: أى اعتداء على دولة عربية يجب ألا يبقى شأنًا داخليًا ضيقًا، بل يصبح شأنًا عربيًا عامًا، وأن يكون هناك حد أدنى من التنسيق السياسى والدفاعى بين الدول العربية. لكن هذه الفكرة، رغم قوتها النظرية، ظلت أضعف كثيرًا فى التطبيق العملى بسبب الانقسامات العربية، وتضارب أولويات الأنظمة، والخلافات البينية، وتفاوت القدرات بين دول تمتلك المال وأخرى تمتلك الثقل السكانى أو العسكرى.
ورغم ذلك، ظل النظام الأمنى العربى التقليدى قائمًا، ولو بصورة غير مكتملة، لعقود. كانت أزماته كثيرة، لكنه كان يقوم على تصور عام مفاده أن المجال العربى، رغم الخلافات، هو المجال الطبيعى الأول للأمن العربى. غير أن لحظة ١٩٩٠ مثلت ضربة قاصمة لهذا التصور، حين غزا صدام حسين الكويت. هنا لم يعد الخلل مجرد خلاف عربى عادى، بل انهار أحد أهم الافتراضات المؤسسة للنظام الأمنى العربى نفسه: أن الخطر الخارجى هو المشكلة الأساسية، لا العدوان بين الدول العربية. ومنذ تلك اللحظة، دخل النظام العربى فى مرحلة جديدة، حيث الاستعانة بالقوى الخارجية، وتراجع فكرة العمل الدفاعى العربى المشترك، وصعود ترتيبات أمنية جزئية أو ثنائية أو مؤقتة بدل الإطار العربى الجامع.
• • •
منذ ذلك الوقت، لم يعد السؤال: كيف نحيى النظام العربى القديم فقط؟ بل أصبح: أى مشروع أمنى يمكنه أن يملأ الفراغ؟ وهنا يمكن الحديث عن أربعة مشاريع مطروحة أو كامنة فى المنطقة منذ حرب تحرير الكويت ١٩٩١:
المشروع الأول هو المشروع العربى القديم نفسه، أى الأمن الإقليمى العربى المرتكز على أن الدول العربية، مهما اختلفت، تحتاج إلى إطار ذاتى يحميها، ويمنع تفككها، ويجعل أمنها نابعًا بالأساس من داخلها. هذا المشروع له مشكلاته المعروفة: ضعف مؤسسات العمل العربى المشترك، تكرار الخلافات السياسية، غلبة الحسابات الذاتية لكل نظام، وغياب الإرادة التنفيذية. لكنه، رغم ذلك، يظل المشروع الوحيد الذى ينطلق من فرضية منطقية وبديهية، وهى أن الدول العربية لا يمكن أن تبنى أمنها الدائم على ترتيبات يهيمن عليها غير العرب، أو على تفاهمات مؤقتة تتغير بتغير الإدارات الدولية أو توازنات اللحظة الراهنة.
المشروع الثانى هو ما يمكن تسميته اليوم بمشروع «الأمن الإسلامى» أو بالصيغة التى عاد النظام الإيرانى نفسه إلى الترويج لها مؤخرًا. وعلى مستوى المبدأ، تبدو الفكرة جذابة، لأن أى إقليم فى العالم يفضل بطبيعة الحال أن يدير شئونه بنفسه. لكن المشكلة هنا ليست فى الشعار، بل فى الممارسة. فإيران، حين تتحدث عن أمن إقليمى جامع، بينما تستمر سياساتها المبنية على النفوذ الطائفى، ودعم أو توظيف فواعل مسلحة من غير الدول، فإنها تقوض بنفسها الثقة الضرورية لقيام هذا الأمن. لا يمكن بناء نظام أمنى مستقر بينما بعض دوله تشعر أن جارتها لا تتعامل معها كدولة مساوية، بل كساحة نفوذ أو مجال اختراق. لهذا تبدو الفكرة الإيرانية، فى وضعها الحالى، غير قابلة للتحول إلى مظلة إقليمية مقبولة عربيًا، إلا إذا تغيّر السلوك الإيرانى نفسه، لا مجرد لغته السياسية.
أما المشروع الثالث فهو الأمن الشرق أوسطى المرتكز على إسرائيل، وهو المشروع الذى نما سياسيًا وأمنيًا مع الاتفاقيات الإبراهيمية، ومع الفكرة القائلة إن بناء شراكات عربية إسرائيلية يمكن أن ينتج بنية أمنية جديدة فى المنطقة، خاصة فى مواجهة إيران أو بعض التهديدات المشتركة. لا شك أن هذا المشروع حقق تقدمًا دبلوماسيًا وأمنيًا فى السنوات الأخيرة، وأعاد صياغة بعض أولويات المنطقة من منظور المصالح المباشرة. لكن مشكلته الجوهرية أنه حاول القفز فوق القضية الفلسطينية أو تحييدها، فى حين أن هذه القضية هى محور أى مشروع أمنى إقليمى! فحين يكون المشروع الأمنى قائمًا على مركزية إسرائيل من دون تسوية عادلة تضمن دولة فلسطينية مستقلة، فإنه يظل مشروعًا ناقص الشرعية، محدود القبول الشعبى، وعاجزًا عن إنتاج استقرار حقيقى طويل المدى، حتى لو حقق بعض المكاسب الأمنية التكتيكية هنا أو هناك. وما هجمات السابع من أكتوبر ببعيدة، وما تلاها من حرب مدمرة تجاوزت كل قواعد القانون الدولى، وعمّقت من الشرخ الأمنى فى الإقليم!
المشروع الرابع هو ما يمكن تسميته بالأمن دون الإقليمى أو الأمن المصلحى المجزأ، أى أن تتحرك كل دولة تقريبًا وحدها، أو عبر تحالفات صغيرة ومتغيرة، وفق مصلحتها المباشرة. هذا ما نراه بوضوح منذ سنوات: دول تراهن على واشنطن، وأخرى توازن بين واشنطن وطهران، وأخرى تطبع مع إسرائيل، وأخرى تراهن على التهدئة، وأخرى تبنى روابط أمنية منفصلة حول الطاقة، أو الملاحة، أو التكنولوجيا، أو مكافحة المسيّرات. هذا النمط قد يمنح بعض الدول مرونة تكتيكية، لكنه لا ينتج نظامًا إقليميًا بالمعنى الحقيقى. بل بالعكس، هو يعكس غياب النظام. فحين يصبح الأمن مجرد صفقات منفصلة، فإن النتيجة هى زيادة هشاشة الإقليم، لأن كل دولة تعالج تهديدها الخاص، بينما تبقى البيئة الإقليمية الأوسع قابلة للانفجار!
• • •
كذلك علينا أن ندرك أن هناك تغييرات فى المعنى التقليدى لمفهوم «الأمن الإقليمى»، حيث لم يعد الأمن اليوم مجرد جيوش وحدود ومعاهدات دفاع. صار يشمل أمن الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وأمن سلاسل الإمداد، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، وأدوار الفاعلين المسلحين من غير الدول. وما جرى فى المنطقة خلال الشهور والسنوات الأخيرة أكد هذه الحقيقة بوضوح: أى اضطراب فى الخليج أو المشرق لم يعد يهدد دولة واحدة فقط، بل يهدد التجارة، والموانئ، وأسعار الطاقة، والمجتمعات المدنية، ومجمل الاستقرار الإقليمى. لهذا فإن أى مشروع أمنى جديد لا بد أن يتجاوز الصياغات القديمة الجامدة، وأن يربط بين الدفاع العسكرى التقليدى وبين متغيرات الأمن الحديثة.
من هنا، أتصور أن الخلاصة الأكثر واقعية ليست رفض مشروع الأمن الشرق أوسطى الأوسع من حيث المبدأ، بل رفض صيغته الحالية المختلة. فإسرائيل لا يمكن أن تكون مركز النظام الأمنى الإقليمى بينما تستمر فى رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، وإيران لا يمكن أن تكون شريكًا مقبولًا فى هذا النظام بينما تستمر فى إدارة نفوذها عبر منطق طائفى وعبر قوى عسكرية غير دولاتية مثل حزب الله وحماس وغيرهم. نعم، من الناحية النظرية، قد يكون الأنسب مستقبلًا هو نظام أمنى شرق أوسطى أوسع يضم العرب وتركيا وإيران وإسرائيل، لكن ذلك يحتاج إلى شروط سياسية واستراتيجية غير متحققة الآن: تغيير السياسة الإيرانية، وإنهاء منطق الميليشيات العابرة للحدود، وقبول إسرائيل الصريح والفعلى بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. قبل تحقق هذه الشروط، سيظل الحديث عن هذا الإطار الأوسع سابقًا لأوانه.
• • •
لهذا كله، يبقى الأمن الإقليمى العربى، بمعناه القديم ولكن بروح جديدة، هو الخيار الأكثر منطقية للدول العربية. وليس المقصود هنا استعادة شعارات الخمسينيات أو الستينيات كما هى، ولا تجاهل التحولات الكبرى فى المنطقة، بل إعادة بناء الفكرة نفسها على أسس أكثر واقعية: تنسيق عربى حقيقى، تعريف واضح للتهديدات المشتركة، تطوير مؤسسات العمل العربى بدل الاكتفاء بخطابه، والتعامل مع الأمن باعتباره عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا فى آن واحد. قد يبدو هذا الطريق صعبًا، لكنه أقل وهمًا من الرهان على مشروع إسرائيلى ناقص الشرعية، وأقل خطورة من الارتهان لمشروع إيرانى فاقد للثقة، وأكثر استدامة من الاكتفاء بسياسات ذاتية لكل دولة على حدة!