نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب عبد الإله بلقزيز، يوضح فيه أن العنصرية، رغم مظهرها السياسى المدمر، هى فى جوهرها ظاهرة ثقافية النشأة، ولا يمكن استئصالها إلا من خلال «ثورة ثقافية» وتربوية تعيد الاعتبار لكرامة الإنسان كقيمة مطلقة.. نعرض من المقال ما يلى:
سيكون من قبيل تحصيل الحاصل أن يقال إن العنصرية ظاهرة سياسية لدى المجتمعات السياسية فى عهودها كافة، بمقدار ما كانت ظاهرة اجتماعية تغلغلت فى نسيج النظام الاجتماعى فى كل الاجتماع الإنسانى. هذا قول أشبه ما يكون بالتقرير: تقرير الحال، إذ تقوم عليه الشواهد من الواقع المباشر ومن تاريخ الاجتماع الإنسانى المكتوب والمحكى المتناقل بالتوارث، وتؤكده الأخبار عن حوادث الصدام بين الجماعات الاجتماعية المتبادلة لمشاعر الإنكار داخل المجتمع الواحد، وحوادث المواجهات بين المجتمعات والدول.
يزيد من سياسيات العنصرية اليوم أنها دخلت فى نسيج المساجلات السياسية الحزبية والحملات الانتخابية والتعبئة والتحشيد، باسم الهويات و«النقاء» العرقى، فى أرجاء العالم قاطبة، مع ما يقترن بذلك من شيطنة الآخر واستنفار الغرائز العنصرية.
مع إمكان التسليم بالطبيعة السياسية لظاهرة العنصرية واستخداماتها فى حقل الصراعات السياسية، يظل جائزًا أن يتساءل عما إذا كانت، فعلا، ظاهرة سياسية فى «الطبيعة» والمنشأ أم هى ظاهرة ثقافية فى الأساس. السؤال مشروع من وجوه عديدة يكفينا منها وجه واحد رئيس ومتكرر على الدوام: الظواهر السياسية تبدأ من نقطة بداية ثقافية، دائما، لأن منشأها ثقافى، ثم لا تلبث أن تلبس لبوسها السياسى حتى ليكاد أن يختفى معه كل مضمون ثقافى لها. وراء كل ظاهرة سياسية (سلطة، حزب، مشروع سياسى، حرب...) فكرة مؤسسة ــ موعى بها أو غير موعى ــ تنمو فى حضن ثقافية...، والعنصرية من هذا الجنس.
السياسى فى العنصرية، إذن، هو ما يجعل فكرتها ذات خطر، وذات أنياب ومخالب. وإذا كان هذا السياسى ثابتا فيها، بل مبدأ لقوتها التدميرية، فهل ثمة من علاج سياسى لها، أو هل مثل هذا العلاج لها ــ إذا ما أمكن أمره ــ ناجع أو يكفى وحده لاستئصالها أو حتى للحد من آثارها التدميرية فى أقل القليل؟
ما من شك، فى أن للسياسة (السياسات) ما تقدمه فى هذا المسعى إلى جبه العنصرية ومغالبة أدوارها التخريبية: إن كان ذلك داخل المجتمعات الوطنية، كلا منها على حدة، أو داخل ما يسمى «المجتمع الدولى». قد تتوسل الدولة سلاح القانون، مثلا، بل فى أفضل الأحوال، لمحاربة هذه الجرثومة الخطرة التى تنخر جسم المجتمع بمقدار ما يستطيع النظام الدولى ذلك على صعيد عالمى أشمل.
وعليه، فإن من شأن إقرار منظومة من القوانين التى تعاقب على إتيان العنصرية قولا أو فعلا أن تردعها بوصفها انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية، وهذا مما يجرى به العمل فى دول كثيرة كما فى النظام الدولى: وإن بقدر من الانتقائية وازدواجية المعايير فى قسم من الحالات. لذلك لا مهرب من البحث عن معالجات ثقافية عميقة للظاهرة يبررها أن العنصرية من حيث منشؤها ــ كما مر معنا ــ ظاهرة ثقافية شهد عليها الاجتماع الإنسانى قبل أن تستحيل معضلة سياسية تؤزم العلاقات داخل المجتمعات والبلدان وفى ما بينها.
يبدأ الاستئصال الثقافى للعنصرية من مدخل تحتى هو التربية على قيمة احترام الكرامة الإنسانية، والامتناع عن نهكها أو الخدش فيها باسم أى مبدأ آخر قد يبرر ذلك، وحسبان أى دوس على تلك الكرامة عدوانًا على الإنسانية وقيمها. الإنسان، فى منظور هذا النوع من التربية، كائن ذو حرمة ومكانة فى الوجود، وهو يعلو شروطه التى يرتبط بها لأن الإنسانى فيه يفيض عن كل تعين نسبى.
الإنسان إنسان بمعزل عن «عرقه» ودينه ولونه وثقافته، وهو جوهر لا يتحدد بهذه الأعراض (بلغة أرسطو) ولا تغير منه هذه شيئا، لذلك احترامه معدود فى جملة احترام الجوهر الإنسانى. أما التربية على احترام كرامة الإنسان فأعلى مقاما وقدرا من مجرد التربية على قيم أخرى مثل التسامح أو الحق فى الاختلاف وما شاكل ذلك.
يتعلق الأمر فى هذا، إذن، بالحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة ضد العنصرية، ثورة تسخر من أجلها كل الأدوات والموارد المتاحة: التربية الأسرية، التكوين المدرسى وبرامجه، البرامج الثقافية والإعلامية: الرسمية والخاصة.. فضلا عن التجريم القانونى الذى ما من فائدة تكون له إن لم يقع إنجاز حلقات التثقيف والتربية المشار إليها.