أين يقف الشارع الأمريكى من الحرب على إيران؟ - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
الأحد 5 أبريل 2026 1:20 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


أين يقف الشارع الأمريكى من الحرب على إيران؟

نشر فى : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م

بينما تواصل الولايات المتحدة الحرب على إيران وسط تصريحات متناقضة للإدارة الأمريكية عن الحرب وتطوراتها وموعد نهايتها، فإن الشارع الأمريكى يتفاعل بقوة مع هذه الحرب نظرا لتأثيرها الكبير على ظروف حياته اليومية. ما يظهر اليوم داخل الشارع الأمريكى هو أن أى تصعيد مع إيران يقرؤه المواطن من زاوية كلفة الحرب على الداخل، واحتمال تحولها إلى مواجهة طويلة لا يمكن التحكم فى حدودها فيتورط الجيش الأمريكى وتتورط معه حياة المواطن العادى فى مستنقع ذى كلفة كبيرة. لهذا فإن السؤال الرئيسى اليوم لا يتعلق بطبيعة النظام الإيرانى ولا بطبيعة خصومته مع الولايات المتحدة بقدر ما يتعلق بسؤال محدد: هل تستحق المواجهة دفع هذا الثمن فعلا؟


• • •
تشير استطلاعات الرأى التى أجريت مؤخرا إلى أن قطاعات واسعة من الأمريكيين لا تريد الانزلاق إلى حرب طويلة، حتى لو كانت هذه القطاعات مقتنعة بأن إيران بالفعل هى مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط وما بعدها.
الأرقام هنا مهمة، لأنها تكشف المزاج الحقيقى بعيدا عن محاولات الدعاية التى يسوقها الرئيس الأمريكى للداخل والخارج للتظاهر بأن الشارع معه!


ففى استطلاع رويترز/إبسوس المنشور فى ٣١ مارس ٢٠٢٦، قال ٦٦٪ من الأمريكيين إنهم يريدون إنهاء الحرب بسرعة، حتى لو لم تتحقق كل أهداف الإدارة الأمريكية منها. وفى الاستطلاع ذاته، عارض ٦٠٪ الضربات الأمريكية على إيران، بينما رفض ٧٦٪ إرسال قوات برية أمريكية. هذه ليست مؤشرات على خلاف محدود، بل على مزاج عام يميل بوضوح إلى تقليص الحرب لا توسيعها، وإلى الخوف من التورط أكثر من الحماس للحسم العسكرى والانتصار.


هذا الموقف لا يعنى بالضرورة أن الأمريكيين يؤيدون إيران أو يتعاطفون معها، بل على العكس من ذلك، فاستطلاع مجلس شيكاغو للشئون العالمية بالتعاون مع إبسوس أظهر أن ٧٥٪ من الأمريكيين يرون منع إيران من امتلاك سلاح نووى هدفا مهما، وأن ٧٩٪ يعتبرون منعها من دعم جماعات مسلحة فى المنطقة هدفا مهما أيضا. لكن المفارقة أن الاعتراف بالخطر الإيرانى لا يتحول تلقائيا إلى تأييد للحرب المفتوحة. هنا تظهر عقدة السياسة الأمريكية الحالية: قبول فكرة الردع لا يعنى قبول حرب طويلة، وقبول الضربة المحدودة لا يعنى قبول مستنقع جديد فى الشرق الأوسط.


• • •
لكن لماذا يأخذ المواطن الأمريكى هذا الموقف المعقد؟ الإجابة بسيطة، هناك أثار سلبية لم يعد المواطن قادرا على تحملها بغض النظر عن انتمائه الحزبى أو قراءته لطبيعة التهديد الإيرانى.
الأثر الأول للحرب على الشارع الأمريكى هو الأثر الاقتصادى. الحرب بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين لا تبدأ من التحليلات العسكرية والسياسية، بل من محطات الوقود وسعر السلع وتكلفة الحياة اليومية. ففى استطلاع رويترز/إبسوس المنشور فى ٣ أبريل ٢٠٢٦، قال ٥٦٪ من الأمريكيين إن الحرب ستجعل أوضاعهم المالية الشخصية أسوأ، بينما قال ٦٦٪ إن أسعار البنزين سترتفع بسببها. هذه الأرقام تفسر لماذا لا يجد الخطاب الترامبى طريقه بسهولة لإقناع الرأى العام حتى بما فيه ذلك المؤيد للرئيس، لأن المواطن العادى يربط التصعيد فورا بتضخم أعلى وضغط معيشى أكبر، لا فقط بشعارات الأمن القومى.


الأثر الثانى هو الخوف من الاستنزاف العسكرى والبشرى. الذاكرة الأمريكية ما زالت مثقلة بالعراق وأفغانستان، بل وحتى بفيتنام ولذلك لا يتعامل الأمريكيون باستخفاف مع احتمال تورط مماثل للحرب الحالية فى الشرق الأوسط. فحين تتحدث الأخبار عن سقوط قتلى وجرحى أمريكيين أو عن إسقاط طائرة أمريكية فوق إيران، يصبح الخوف أكثر واقعية لأنه يضرب بقوة على تلك العقد التاريخية للأعمال العسكرية الأمريكية. لهذا لم يكن غريبا أن يُظهر استطلاع رويترز/إبسوس المشار إليه أعلاه رفض ٧٦٪ من الأمريكيين إرسال قوات برية. فالجمهور الأمريكى قد يقبل لغة القوة من السماء، لكنه يصبح أكثر تحفظا حين يقترب احتمال الحرب من الأرض مع ما يعنيه ذلك من طول أمدها وارتفاع تكلفتها البشرية.


من المهم هنا أن نلاحظ أن الموقف الأمريكى لا ينقسم فقط بين مؤيد ومعارض، بل بين درجات مختلفة من القبول والرفض. فاستطلاع مجلس شيكاغو للشئون العالمية أظهر أن ٧١٪ من الأمريكيين يعتقدون أن العمل العسكرى ضد إيران قد يؤدى إلى حرب إقليمية أوسع. هذا الرقم مهم جدا، لأنه يكشف أن الاعتراض ليس قائما فقط على موقف أخلاقى أو حزبى، بل على تقدير براجماتى للمخاطر. قطاعات واسعة من الأمريكيين لا ترى التصعيد مع إيران كعملية محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل كبداية محتملة لفوضى إقليمية أكبر.


أما عن الفئات التى ما زالت أكثر تأييدا للحرب، فالجمهوريون يأتون فى المقدمة، لكن حتى هنا يجب توخى الحذر من التبسيط المخل لقراءة هذا التأييد! فبحسب بيانات مركز "بيو" للأبحاث المنشورة فى ٢٥ مارس ٢٠٢٦، وافق ٦٩٪ من الجمهوريين وهؤلاء الميالين للحزب الجمهورى على الضربات الأمريكية ضد إيران، مقابل ١٢٪ فقط من الديمقراطيين وهؤلاء الميالين لهم. كذلك أظهر الاستطلاع نفسه أن ٧١٪ من الجمهوريين رأوا أن قرار الضربات كان صحيحا، مقابل ٨٨٪ من الديمقراطيين الذين اعتبروا القرار خاطئا. المعنى هنا واضح: هناك قاعدة جمهورية أكثر ميلا لتأييد العمل العسكرى، لكن هذا لا يعنى أن كل الجمهوريين يريدون حربا مفتوحة بلا سقف.


داخل المعسكر الجمهورى نفسه توجد درجات مختلفة من التأييد. فاستطلاع رويترز/إبسوس أظهر أن ٤١٪ من الجمهوريين فقط أيدوا إرسال قوات برية، بينما عارض ذلك ٥٥٪ منهم. أى أنه حتى داخل الحزب الأكثر استعدادا لتبرير الضربات، تبقى هناك حدود واضحة عندما يتحول الأمر إلى احتمال حرب برية أو تورط مباشر طويل. وهذا مهم سياسيا، لأنه يعنى أن التأييد الجمهورى ليس شيكا على بياض، بل هو مشروط ومحدود ويتراجع كلما ارتفعت التكلفة المتوقعة.


فى المقابل، تبدو الكتلة الديمقراطية أكثر وضوحا وحسما فى الرفض. فوفقا لبيانات «بيو»، رفض ٩٠٪ من الديمقراطيين طريقة تعامل ترامب مع الصراع، كما رأى ٨٨٪ أن قرار الضربات كان خطأ من الأصل. هذا الرفض الديمقراطى لا يرتبط فقط بمنافسة حزبية مع ترامب، بل أيضا بتصور أوسع داخل هذا المعسكر يرى أن الحرب ستضيف عبئا اقتصاديا وسياسيا وإنسانيا على الولايات المتحدة دون ضمان النتائج.


أما المستقلون، وهم كتلة أساسية فى أى قراءة انتخابية أمريكية، فيميلون أيضا إلى الحذر أكثر من الحماس للحرب. فاستطلاع «بيو» أظهر أن ٥٩٪ من الأمريكيين إجمالا رأوا أن الضربات على إيران كانت قرارا خاطئا. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الانتخابات الأمريكية لا تُحسم عادة فقط عبر قواعد الحزبين الأساسية، بل عبر المزاج المتأرجح بينهما. وإذا كانت هذه الفئة المتأرجحة تنظر إلى الحرب بوصفها عبئا محتملا، فإن ذلك يضعف قدرة أى إدارة على تحويلها إلى تأييد سياسى داخلى، مهما كان حجم الدعاية.


على مستوى الموقف الحزبى العام، يمكن القول إن الديمقراطيين أقرب إلى رفض واضح للتصعيد، بينما الجمهوريون أكثر ميلا إلى دعم الضربات تحت عنوان الردع وإظهار القوة. لكن الصورة الأهم ليست فقط فى انقسام الحزبين، بل فى أن المجتمع الأمريكى كله يبدو أقل استعدادا من السابق لمنح الحروب الخارجية تفويضا مفتوحا. والدليل على ذلك أن استطلاع مجلس شيكاغو للشئون العالمية أظهر أن ٥٦٪ من الأمريكيين يقولون إن الرئيس يحتاج إلى موافقة الكونجرس قبل استخدام القوة العسكرية ضد إيران. هذا يعنى أن جزءا معتبرا من الرأى العام لا يعترض فقط على الحرب، بل أيضا على فكرة توسيعها بقرار رئاسى منفرد تشوبه اتهامات التعدى على الدستور الأمريكى وهو الوثيقة السياسية والقانونية الأكثر قدسية فى الولايات المتحدة، أو على الأقل كانت كذلك حتى وصل ترامب إلى البيت الأبيض!


• • •
الخلاصة أن الحرب على إيران لم تؤد داخل الولايات المتحدة إلى موجة تعبئة وطنية واسعة، بل أنتجت حالة قلق وتحفظ ومساءلة. نعم، ما زالت هناك فئات، خاصة داخل القاعدة الجمهورية، تؤيد استخدام القوة ضد إيران وتراه ضرورة للردع. لكن الصورة الأوسع تقول شيئا آخر: ٦٦٪ يريدون إنهاء الحرب سريعا، ٦٠٪ يعارضون الضربات، ٧٦٪ يرفضون إرسال قوات برية، ٦٦٪ يتوقعون ارتفاع أسعار البنزين، و٥٦٪ يتوقعون تدهور أوضاعهم المالية الشخصية بسبب الحرب. لهذا فإن السؤال المركزى فى الشارع الأمريكى اليوم لم يعد فقط كيف تواجه واشنطن إيران، بل لماذا يجب على المواطن الأمريكى العادى أن يدفع من معيشته وأمنه واستقرار أسرته ثمن حرب لا يثق كثيرون أصلا فى حدودها أو نتيجتها النهائية؟.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر