فى وداع الأستاذ ناكمورا - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
السبت 30 مايو 2026 7:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

فى وداع الأستاذ ناكمورا

نشر فى : السبت 30 مايو 2026 - 5:45 م | آخر تحديث : السبت 30 مايو 2026 - 5:45 م

 

لم أكن أتمنى حين كتبت فى هذه المساحة فى ١٣ مايو عام ٢٠٢٣ عن أستاذى اليابانى «أكيرا ناكمورا»، أن أعود بعد ثلاثة أعوام تقريبًا لأكتب عنه مرة أخرى، ولكن هذه المرة لأودعه. فى المرة الأولى كنت أكتب وهو لا يزال بيننا؛ كانت قد ألمّت به أزمة صحية، لكنه كان يقاومها بشجاعة. كتبت كلمات مقالى المشار إليه ثم ترجمتها له فى زيارتى له فى طوكيو فى يوليو من نفس العام، لأخبره أن فضله علىّ لم يكن فقط قاصرًا على الإشراف الأكاديمى ومنح الدرجات العلمية، بل كان واحدًا من تلك التحولات التى تغيّر مسار الإنسان. اليوم أكتب بعد رحيله، وفى القلب ذلك الشعور الثقيل بأن بعض الناس لا يرحلون تمامًا، لأن أثرهم يظل قائمًا فى الطريقة التى نرى بها أنفسنا والعالم. صحيح أنه هذه المرة لن يقرأ المقال ولن أترجمه له، لكننى أشعر أننى مدين له بالكتابة لوداعه بأكثر الطرق تواضعًا.

رحل الأستاذ ناكمورا، ورحلت معه قطعة عزيزة جدًا من ذاكرتى اليابانية، ومن سنوات التكوين الأولى التى صنعت الكثير مما أصبحت عليه لاحقًا، أكاديميًا وإنسانيًا. فى مقالى السابق تحدثت بإسهاب عن الطريقة التى ساندنى بها إنسانيًا بينما كنت ما زلت شابًا صغيرًا قليل الخبرات، ويمكن للقراء الأعزاء مراجعة ما تعلمته منه على المستوى الإنسانى فى ذلك المقال، لكننى أريد اليوم أن أودعه بالحديث عما تعلمته منه من الناحية الأكاديمية والسياسية.

• • •

كان ناكمورا أستاذًا للعلوم السياسية، وتحديدًا كان متخصصًا فى النظم السياسية والسياسات العامة المقارنة والإدارة العامة. ورغم أنه تخصص تقليدى فى علم السياسة تخطّته الكثير من أقسام وكليات الدراسات السياسية فى العالم الحديث، وخصوصًا فى الغرب، إلا أنه ما زال التخصص الأكثر أهمية – فى تقديرى – للمساهمة فى تطوير الكوادر الإدارية للمؤسسات الحكومية التى تعمل فى عدة قطاعات مثل الشباب والمرأة والتعليم والصحة والتأمينات والمعاشات وغيرها من القطاعات الحيوية التنموية.

كان أول ما تعلمته من ناكمورا أن عملية التنمية، وخصوصًا فى الدول النامية، لا يجب أن تركز على الجوانب الاقتصادية أو السياسية قبل أن تركز أولًا على الجوانب الإدارية. بعبارة أخرى، حينما خرجت اليابان مهزومة ومدمرة من الحرب العالمية الثانية، فإن أول ما فعلته للتنمية والعودة إلى الحياة لم يكن فقط التحول السياسى أو معجزتها الاقتصادية، ولكن كان بناء جهاز إدارى قوى ومركزى يتمتع بالمهارة والإخلاص للدولة، وأن أول خطوات بناء هذا الجهاز الإدارى هى عملية تطوير الكوادر من خلال التدريبات الإدارية، كلٌّ فى تخصصه.

واتصالًا بالفكرة السابقة، كان لديه تصور مثير للاهتمام فيما يتعلق بموقف الأكاديمى من السلطة؛ فقد كان يرى أن الأكاديمى مثل الحرفى، عليه إجادة الحرفة لا اختيار الزبون. بعبارة أخرى، كان يرى أن الموقف الصحيح للأكاديمى هو ألا يكون صاحب موقف سياسى أو أيديولوجى زاعق، ولكن أن تكون لديه مهارة ذات طابع تقنى للمساهمة فى عملية التنمية. وكان يرى أن جهاز الدولة هو الأولى بالمهارات الأكاديمية والاستشارات الفنية من قِبل (بكسر القاف) الأكاديميين مقارنةً مثلًا بالأحزاب السياسية أو مواقع السلطة المباشرة. كان يرى أن الأكاديميين لا يصلحون لقيادة الأحزاب، لا تلك التى فى السلطة ولا فى المعارضة، ولا لتبوؤ المناصب التنفيذية العليا، ولكن حرفتهم الأساسية هى تقديم الاستشارات السياسية وتطوير هيكل الدولة الإدارى من خلال الدورات التدريبية.

• • •

ربما يبدو هذا الكلام محافظًا، وربما أيضًا يبدو ذا طابع اشتراكى وغير مناسب للعصر الحالى، والحقيقة أنه قد يكون كذلك بالفعل؛ فناكمورا فى النهاية تأثر بتجربته الشخصية التى تواكبت مع عصر النهضة والتنمية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان صبيًا فى السادسة من العمر وقت انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد عاش طفولته فقيرًا، ليس فقط بسبب فقر أسرته، وهو حال الكثير من اليابانيين وقت الحرب العالمية الثانية والعقد الذى تلا تلك الحرب، ولكن أيضًا بسبب فقر الدولة اليابانية وقتها، وقد غامر الإمبراطور اليابانى هيروهيتو بتخصيص كل موارد الدولة للحرب والتوسع الاستعمارى.

وفقر الدولة وفقر الأسرة هذا ارتبط عند ناكمورا، وربما عند الكثيرين من أبناء جيله، بصورة الجنود الأمريكيين أصحاب البشرة البيضاء مفتولى العضلات، طوال القامة، الذين تبدو على أجسادهم الصحة والهيبة، وهم يوزعون الشوكولاتة فى شوارع اليابان فى الأيام الأولى بعد الحرب مباشرة على الأطفال والأهالى لكسب ودهم وثقتهم وإزالة فكرة «العدو» من خيالهم.

كان هذا الموقف مؤثرًا للغاية فى ناكمورا؛ فقد حكى لى أنه كان حافى القدمين بينما يقف فى شوارع أوساكا ناظرًا إلى أعلى حتى يحصل على تلك الشوكولاتة، والتى يقول إنها لم تكن معروفة لليابانيين وقتها، وأنه حينما تذوقها للمرة الأولى كان يعتقد أنها شىء لا يملكه سوى الأمريكيين فقط.

سافر ناكمورا وهو شاب فى بعثة طلابية إلى الولايات المتحدة، وعاش فيها عقدًا كاملًا، وحصل على الدكتوراه من أرقى جامعاتها، وفور عودته إلى اليابان فى السبعينيات كان أحد الشبان الذين عُهد إليهم بتطوير جهاز الدولة الإدارى، وقد ظل على هذا الحال حتى وفاته. غير أنه منذ التسعينيات أصبح أحد أهم الخبراء الإداريين الذين تستعين بهم الهيئة اليابانية للتعاون الدولى، والتى كانت تابعة وقتها لوزارة الخارجية اليابانية، لتدريب العديد من الكوادر الحكومية فى شرق وجنوب شرق ووسط آسيا، بالإضافة إلى القارة الإفريقية. وقد زار مصر للمرة الأولى والأخيرة عام ٢٠١٤ فى واحدة من تلك الدورات بالتعاون مع وزارة التخطيط المصرية، وكان سعيدًا للغاية بهذه الزيارة رغم قصرها.

• • •

الحقيقة أن ناكمورا كان له العديد من وجهات النظر الأخرى التى قد تبدو يسارية – رغم أنه لم يكن له أبدًا أى انتماء سياسى أو أيديولوجى معلن – ألا وهى أن عملية التنمية لا يمكن أن تتحقق من خلال سياسات وآليات السوق الحر وعدم تدخل الدولة وغيرها من وصفات البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، وأن تلك الوصفات أنانية ومتنكرة لتاريخ التنمية فى الولايات المتحدة وأوروبا والعالم الغربى بشكل عام، لأن هذه الدول، بعد أن حققت التنمية عن طريق برامج الإنفاق الحكومى وتدخل الدولة المباشر فى عمليات التخطيط، ذهبت لتبشر بتنمية ليبرالية قائمة على اقتصاد السوق الحر.

فى الحقيقة، عندما كنت فى العشرينيات، لم أكن أتفق مع كل أفكاره، أو لنقل ربما لم أستوعب أفكاره بالشكل المناسب، لكننى الآن، فى منتصف الأربعينيات، أجد أن بعض أفكاره صحيحة بالفعل؛ فعملية التنمية بدون جهاز إدارى مدرب وقادر على تنفيذ السياسات العامة للدولة أمر عبثى، وزيادة إنتاجية الدولة وتحولها من الزراعى إلى الصناعى إلى التكنولوجى غير ممكنة بدون إنفاق عام على التعليم والصحة والبنية التحتية، وتحول الدولة الديمقراطى منطقيًا تالٍ، أو على الأقل موازٍ، لتنميتها الاقتصادية.

وإذا أخذنا تجارب التنمية فى شرق وجنوب شرق آسيا، وفى بعض دول أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، فسنجد أن الدولة ومواردها وإنفاقها العام وجهازها الإدارى كانت محور عملية التنمية. حدث هذا فى الهند وفيتنام وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها.

أتذكر أنه وقت دراستى فى اليابان تحت إشرافه كان هناك برنامج للمبتعثين الماليزيين أنفق عليه الزعيم الراحل مهاتير محمد الكثير لتطوير جهاز الدولة الماليزى، وكان لدىّ وقتها العديد من الصداقات والزمالات مع عدد كبير من شباب هذا الجهاز الإدارى الذين كانت تبتعثهم ماليزيا إلى اليابان، وعدد كبير منهم ومنهن كان تحت الإشراف الأكاديمى لناكمورا، وقادمين من عدة قطاعات إدارية فى الدولة الماليزية، من قطاع السكك الحديدية والنقل والمواصلات إلى قطاع التنمية الحضرية والتجارة الداخلية والخارجية، مرورًا بقطاعات الصرف الصحى وإعادة تدوير المخلفات وقطاع الإنشاءات العامة والتخطيط وغيرها.

كان لهم برنامج للماجستير المهنى يشتركون فيه معنا، نحن طلاب الماجستير الأكاديمى، فى دراسة المواد الأكاديمية، لكن لم يكن التخرج فى برنامجهم مرتبطًا بكتابة رسالة أكاديمية، وإنما بكتابة ورقة سياسات مطولة، كلٌّ فى القطاع اليابانى المناظر لذلك القطاع الذى أتى منه هؤلاء الطلاب فى ماليزيا. وأرى كثيرين منهم الآن، وقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعى بعد كل هذه السنوات لمّ شملنا، وكثير منهم أصبح بدرجة نائب وزير أو رئيس قطاع فى مجاله.

• • •

ربما هذه هى المقالة الثانية والأخيرة التى أكتبها عن الأستاذ ناكمورا، فى الاعتراف بأفضاله ثم فى وداعه، لكن سيبقى أثر هذا الأستاذ حيًا فى الكثير من تلاميذه، وأنا منهم؛ فهذه هى القيمة الحقيقية للعلماء والأكاديميين الحقيقيين، فهم يعيشون بسيرتهم وتأثيرهم على المجتمع والناس، لا بأجسادهم ولا بألقابهم ولا بالهالات والطقوس والمظاهر الكاذبة المؤقتة التى يحيط بها بعض الأكاديميين المصطنعين أنفسهم، فهذه الأخيرة من سمات التخلف والضحالة، وتنتهى مع صاحبها بمجرد وفاته، بل وفى بعض الأحيان حتى بمجرد مرضه، وقطعًا فهذه الهالات الكاذبة لا علاقة لها بالعلم ولا بالمكانة الحقيقية – إن وجدت – لأصحابها.

وداعًا أستاذى ناكمورا

أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

 

 

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر