فتاوى الحرب - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الأربعاء 14 يناير 2026 5:36 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يفوز بكأس الأمم الإفريقية ؟


فتاوى الحرب

نشر فى : الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:53 م

 

ان للفتاوى التى أصدرها الحاخامات العسكريون، المرافقون للقوات الإسرائيلية، خلال حرب الإبادة على غزة، دور فى توجيه سلوك الجنود إزاء كثير من الممارسات على الأرض، بعضها يتعلق بكيفية التصرف حيال ممتلكات الغزاويين، وبعضها يتعلق بممارسات استفزازية ضدهم. يستعرض المقال نماذج من الأسئلة، التى طرحها الجنود على الحاخامات والإجابات عليها.

من بين هذه الأسئلة سؤال، وجهه جنود من اللواء 401، إلى الحاخام المرافق، إيتمار باز، حول نهب ممتلكات الغزاويين: «هل يجوز لنا نهب ما نجده فى البيوت التى نستولى عليها أو ندمرها؟. من الجدير بالذكر، أن نهب ممتلكات الفلسطينيين كان أمرًا شائعًا بين الجنود، فى غزة، إذ تحدث ضباطٌ عن فقدان السيطرة عليهم، حتى إن رئيس الأركان كان يحرص، فى كل زيارة يقوم بها للمنطقة، على تذكير القادة والمقاتلين بما لا ينبغى فعله، ومن بينه نهب الممتلكات.

يلفت ناحوم برنياع، النظر إلى أن بعض القادة لا يحبون هذا الكلام ، لأن من شأنه «أن يؤثر على المعنويات»، وكأن المعنويات ترتفع فى حالة النهب. من ناحية أخرى، أدلى طبيب بكتيبة احتياط بشهادة عن عمليات النهب، نشرتها «يديعوت أحرونوت»، قال فيها: «نهبت قوات صغيرة وأقل انضباطًا هواتف محمولة، ومكانس كهربية، ودراجات بخارية ودراجات عادية»؛ ثم يُعقب ساخطًا: «هل هذا أمرٌ عادل؟. لقد أصابنى الخجل. فى مرحلة معينة توقفت عن التعليق على هذه الأمور لأننى بدوت مزعجًا».

• • •

المثير فى الأمر، أن بعض الجنود يتباهون بما نهبوه على الملأ وعلى شاشات التليفزيون الإسرائيلى، إذ أظهر مقاتل من لواء جفعاتى لمذيع بالقناة «كان 11» مرآة ضخمة نهبها من أحد البيوت فى خان يونس، ونشر جنود أفلامًا على وسائل التواصل الاجتماعى يعرضون فيها ما نهبوه فى غزة. تعكس كل هذه الشهادات «ظاهرة ذات أبعاد واسعة، لكن الجيش يجد صعوبة فى منعها»، كما يقول، ياجيل ليفى.

تشير منظمة «يوجد قانون»، الإسرائيلية، إلى أن النهب، بمعنى سرقة ممتلكات أو أموال الفلسطينيين من قِبَل جنود أو أفراد من الشرطة الإسرائيلية، يُعد جريمة حرب، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة موجودة منذ سنوات عديدة وموثقة فى الضفة الغربية المحتلة أيضًا، لكنها زادت على خلفية تطبيع عمليات النهب التى يمارسها جنود إسرائيليون فى قطاع غزة، وإلى أنها ظاهرة تكمل حركة أوسع من النهب والاقتلاع المؤسسيْن والممنهجيْن للفلسطينيين من جانب دولة إسرائيل، من خلال استعمال القانون الإسرائيلى والتشريع العسكرى، اللذين يجيزان مصادرة الأراضى، وتقنين المستوطنات والبؤر الاستيطانية التى بنيت على أرض يملكها فلسطينيون.

فى إجابته على السؤال، المشار إليه آنفًا، التف الحاخام على كلمة «نهب»، وأعاد تكييف السؤال وصاغه بشكل يبدو مقبولًا، فى نظر المتلقى، فقال: «هب أن جنديًا دخل بيتًا فى غزة ووجد هناك، مثلًا، جيتارًا. وقال لى: «نحن أصلًا بصدد تدمير هذا البيت. فهل يجوز لى أن آخذ هذا الجيتار؟. عثر جنود آخرون على ترانزستور وسألوا: «نحن منقطعون هنا تمامًا، وهذا الترانزستور هو الشىء الوحيد الذى يربطنا بالعالم الخارجى. فهل يجوز استعماله»؟ ثم صاغ فتواه على النحو التالى: «يجوز لكم استعمال كل شىء لحاجة فورية. وجدتم طعامًا يجوز لكم أن تأكلوه. وجدتم شاحنًا للهاتف، يجوز لكم استعماله. رأيتم جيتارًا. يجوز لكم العزف عليه. لكن لا تأخذوه معكم إلى إسرائيل». فلما سأله الجنود، لماذا، وهو سيذهب إلى الركام؟ كانت إجابته: «من أجل الحفاظ على الروح الإسرائيلية»!! (علامات التعجب من عندى).

• • •

من ناحية أخرى، ظهرت منذ بداية الحرب الهمجية على قطاع غزة، على شبكات التواصل الاجتماعى، صورٌ بها كتابات ــ جرافيتى ــ تحمل رسائل سياسية باللغة العبرية، كتبها الجنود على جدران المنازل فى غزة، مثل الدعوة إلى العودة إلى الاستيطان الإسرائيلى فى القطاع: «نحن عائدون توًا»، ومثل الإعراب عن التضامن مع القتلى والأسرى: «نحن قادمون»، و«من أجل ذكرى السابع من أكتوبر»، ومثل صور لنجمة داود الحمراء. وحين تلقى الجنود أمرًا عسكريًا بمحو ما كتبوه، احتج الوزير العنصرى المتطرف إيتمار بن جفير على هذا الأمر العسكرى، وأرسل خطابًا ساخطًا لوزير الجيش، طالب فيه بإلغائه، قائلًا: «بغض النظر عن كون الأمر العسكرى مثيرًا للحنق، ويضر بالروح المعنوية للجنود وبالروح المعنوية القومية، فإنه يثير علامة استفهام كبيرة حول صدق تصريحك قبل بضعة أيام بشأن رفع وتيرة القتال».

لذا كان أحد الأسئلة التى وجهت إلى الحاخام، دانيئيل كيند، حاخام لواء جفعاتى، سؤالٌ يتعلق بكتابة جنود الاحتلال كتابات مسيئة على جدران المساجد والبيوت فى غزة، أجاب عنه بقوله: «انظروا، افعلوا ما يلزم. لكن الكتابات التى تستهدف تحقيق متعة شخصية، ما الداعى لكتابتها؟ كيف ستخدم هذه الكتابات هدف الانتصار فى الحرب؟».

سُئل الحاخام العسكرى: ماذا تقول للجندى الذى يريد أن يتلو «شماع يسرائيل» (جزء من صلاة يهودية) عبر مكبر الصوت بمسجد؟ فتهرب من الإجابة عليه، ملقيًا بالمسئولية على القادة: «لا أريد الدخول فى هذه النقطة. ينظر قائد ما إلى الأمر بشكل، وينظر إليه قائد آخر بشكل مختلف، وأنا لا أحب التدخل فى أمور مثار اختلاف. ما يقوله القائد سيفعله الجنود، لكننى لا أعرف قادة كثيرين يجيزون ذلك»؛ ثم أردف قائلا: «عندما يأتى سؤال كهذا، أحاول فحص الأمر مع غرفة عمليات الحاخامية والشريعة ومع القادة على الأرض على حد سواء لأفهم مدى ضرره. لكن إذا تحدثنا عن جانب الشريعة فيما يخص تلاوة (صلاة) «الشماع» بمسجد، فإن النص التوراتى يقول: «القائمة بينهم فى وسط نجاستهم» (سفر اللاويين، 16، 16. تتحدث الفقرة التوراتية عن خيمة الاجتماع، أو الحضرة الإلهية، التى تلازم بنى إسرائيل فى كل أحوالهم، حتى لو كانوا فى مكان نجس كالمسجد، فى نظره). يستطيع اليهودى حيثما وُجد أن يصلى للرب وصلاته مسموعة ومقبولة».

• • •

ثمة سؤال يتعلق بقضية فقهية حساسة ومعقدة، غير مسبوقة فى واقع الأمر، حيث طلب بعض الجنود المتزوجين، قبل ذهابهم للحرب، إعداد وثيقة طلاق مشروطة (مع وقف التنفيذ) لزوجاتهم، تصبحن بموجبها مطلقات، يحق لهن الزواج من شخص آخر، وليس معلقات، أو بحسب التعبير الشريعى اليهودى «عجونوت»، إذا أعلن، رسميًا، أن الزوج فقد خلال الحرب. أحال الحاخام السؤال إلى هيئة دينية أعلى لحساسية الأمر، هى الحاخامية العسكرية، التى أجازت طلب الجنود.

من بين الأسئلة الشائعة التى وجهت للحاخامات العسكريين أسئلة تتعلق بكيفية الحفاظ على قدسية يوم السبت. يشير الحاخام، يهوشواع جرشتاين، حاخام اللواء 282، إلى أن الجنود طرحوا، فى بداية الحرب، أسئلة تتعلق بمدى جواز القيام بأفعال عديدة، ليست عسكرية بالضرورة، لكنها داعمة للمجهود الحربى، فى يوم السبت، وطرح بعضهم أسئلة تتعلق بمدى جواز السفر إلى البيت فى يوم السبت، فى إجازة، أو العودة، إذا أتيحت له فرصة بعد تواجده على الجبهة لمدة شهرين كاملين. راعت الإجابة على أسئلة من هذا النوع، خاصة السؤال المتعلق بالسفر فى إجازة، الحالة المعنوية للجنود، وأخذت بعين الاعتبار أن الإجازة ستمنحهم قدرة على الاستمرار فى القتال، رغم انتهاك حرمة يوم السبت، ومن ثم، أجازت لهم التواجد مع أسرهم ليلة السبت.

ليست الأسئلة التى تتعلق بأمور الشريعة فقط، هى ما يطرحه الجنود على الحاخامات، وإنما هناك أسئلة تتعلق بقضايا شخصية، منها سؤال تحير أحد الجنود فى طرحه على الحاخام بوحدته، يتعلق بزواجه، المفترض بعد أسبوعين من بداية المناورة البرية فى غزة، وهل يؤجله، ويشارك فى المناورة أم لا. فى نهاية الأمر، حسم الأمر، بعد أخذ مشورة حاخام الوحدة التى يتبعها، وقدمت المصلحة العامة، على مصلحة الفرد، وشارك الجندى فى الحرب، لأن الأمر يتعلق بحرب (مقدسة) طبقًا لتوصيف الحاخام.

ثمة أسئلة عديدة، تتعلق بكيفية الحرص على إعداد الطعام طبقًا للشريعة اليهودية، داخل غزة، وأسئلة تتعلق بصوم العاشر من شهر طيفت العبرى (صوم فى ذكرى ما تزعم المصادر اليهودية أنه تدمير لما يسمى بأول هيكل على يد الملك البابلى نبوخذ نصر عام 588 قبل الميلاد)، حيث صدر توجيه عسكري، طبقًا لرأى الحاخامات، بعدم الصوم، «كى يكون الجنود فى حالة تأهب ولياقة».

من بين الأسئلة التى سألها الجنود سؤال يتعلق بالصلاة داخل الدبابة، حيث يعيش الجنود بداخلها، ويقضون حاجتهم بها، وهل يجوز وضع التفيلين (مستلزم من مستلزمات الصلاة، عبارة عن شريطين من الجلد يُربط أحدهما حول الرأس والثانى حول اليد اليسرى فى صلاة الفجر، بكل واحد منهما حجيْرة صغيرة دُون بها أربعة فصول من التوراة هى أساس الصلوات اليهودية) فى هذا المكان، وأسئلة تتعلق بكيفية أداء صلاة العميدا (صلاة صامتة، تؤدَّى وقوفًا) داخل دبابة «النمر»؛ حيث لا يوجد مكان للوقوف.

يلعب الحاخامات دورًا مهمًا خلال الحرب. هم يلازمون القوات، ويخالطون الجنود ويحمسونهم، ويدعون لهم بالتوفيق فى مهامهم، ويوزعون عليهم كتب الصلوات، وسائر المستلزمات الدينية، والتوجيهات التى توجبها الشريعة، بل إن الدور الذى يؤدونه، خلال الحرب، لا يقل أهمية عن دور القائد الميدانى.     

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

 

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات