زيارة إلى مكتبة أشرف العشماوى - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الأحد 1 مارس 2026 11:11 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

زيارة إلى مكتبة أشرف العشماوى

نشر فى : السبت 28 فبراير 2026 - 5:30 م | آخر تحديث : السبت 28 فبراير 2026 - 5:30 م

 

(1)
سعادتى بوصول عمله الأخير «مواليد حديقة الحيوان» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب كبيرة ومضاعفة، خصوصًا أننى أتابع منذ سنوات طويلة مشروع أشرف العشماوى السردى الذى أخلص له، وتتبع شغفه الخاص، ولم يكترث لشىء آخر سوى إشباع رغبته فى الكتابة، وترجمة ما يجول بخاطره وما يتراءى له فى عوالم الخيال إلى شخوص من لحم ودم ونماذج بشرية ستعيش طويلًا فى ذاكرة قرائها..
وتذكرت تلك الأمسية الرائعة التى أمضيناها فى بيته الأنيق، وبخاصة فى حجرة مكتبه ومكتبته، بصحبة أخى وصديقى محمود عبد الشكور، والكاتب وأستاذ الفنون الجميلة المعروف جلال الشايب.
قرابة العامين ونصف العام على تلك الأمسية الرائقة التى تخللها كلام كثير (أظنه مهمًّا) فى الرواية والتاريخ والفن، وفى الذكريات القريبة والبعيدة، وعن الهوايات الغريبة أيضًا.. ومن ضمنها بعض ما يتصل بعملية الكتابة والإبداع، واللحظات التى ينفصل فيها عن الواقع؛ تخايله شخوصه، يحاورها ويتشاجر معها وتأخذ بتلابيبه، ولا ينتهى هذا العراك إلا بكتابة الكلمة الأخيرة فى كل رواية: "تمت".
فى هذه الزيارة تعرفنا أيضًا على بعض هوايات صديقنا أشرف العشماوى منذ الطفولة؛ مثل جمع نماذج ومصغرات السيارات بأحجام وأشكال وألوان مذهلة، يرصها فى دولابين زجاجيين أنيقين يشتملان على ما يزيد على 1500 قطعة أو نموذج مصغر للسيارات!
وهناك هواية أخرى غريبة لكنها مثيرة، وتتمثل فى جمع العشرات (لا أبالغ لو قلت المئات) من علب الثقاب بكل الأشكال والألوان ومن كل دول العالم، يضعها أسفل زجاج المائدة الصغيرة التى تتوسط حجرة المكتب والمكتبة. ولعل هذا الغرام والولع بهذه التصميمات قد استشعره مصمم الأغلفة (الفنان أحمد عاطف مجاهد)، فجاء غلافه لرواية «الجمعية السرية للمواطنين» تجسيدًا لهذه الحالة الغريبة والشائقة والممتعة أيضًا!


(2)
برصيد إحدى عشرة رواية، حاز أكثر من نصفها -على الأقل- جوائز وتكريمات مصرية وعربية، وبقبول جماهيرى كبير، رسخ اسمه كأحد أبرز الروائيين المصريين والعرب المعاصرين. أشرف العشماوى كاتب وروائى يحظى بشهرة جارفة فى مصر والعالم العربى، وهو أحد كبار الكُتّاب المتربعين على عرش الأكثر مبيعًا فى العالم العربى الآن، وإن لم يكن هذا وحده سبب شهرته ونجاحه؛ فهو على المستوى الإنسانى من أكثر من عرفتُ تهذيبًا ورقيًّا واحترامًا للبشر جميعًا، وهو من أكثر من عرفت احترامًا وتقديرًا للقيمة بمعناها الفلسفى والمعرفى، ولا يستنكف أبدًا عن الإعلان -طول الوقت- بأنه فى طريق التعلم والتعرّف واكتساب الخبرات ما زال، وأنه يسعى إلى المزيد من القراءة وتعميق الوعى بكل ما يتصل بخبراته الإنسانية أو المهنية أو الإبداعية على السواء.
وعلى المستوى الإبداعى هو أحد الذين يمارسون الكتابة بحب وشغف، ورغبة مخلصة لها بغضِّ النظر عن أى شىء آخر. هو يكتب لأنه يحب الكتابة، ويحب «فن الرواية»، ويعتبر أنها الشكل التعبيرى الأكثر ملاءمة واتساقًا لمزاجه، واستيعابًا لنشاط مخيلته الذى لا يكف عن النشاط أبدًا، وطول الوقت!


فالرواية، كما يراها، فنّ، والفن غايته الإمتاع. ولا بأس من مناقشة قضايا مهمة فى شكل أدبى متمايز بخصوصيته وجماليته لتسليط الضوء عليها، لكن لا بأس أيضًا من المغامرة وارتياد بعض الطرق غير المألوفة من حين لآخر، طالما أن روح الفن هى المسيطرة على النص بعيدًا عن «القصدية» و«الوعظ» و«المباشرة».
يحكى لنا العجائب عندما يتداخل الواقع والخيال فى لحظة مقتحمة لا يستطيع مقاومتها أبدًا.. يرى شخوص رواياته تتخايل أمام ناظريه على «شاشة» سقف الغرفة التى يركن إليها للراحة والنوم، أو هم يتجاذبون أطراف الحديث ويشتبكون فى الحوار والصراع على «الشاشة» الأخرى التى تتخلق على زجاج سيارته أثناء سفره من القاهرة إلى الإسكندرية، فتكون النتيجة أن يتجاوز النقطة المقررة التى من المفترض أن يتوقف عندها ويقضى إجازته فيها مع أفراد أسرته الذين سبقوه إلى هناك!


(3)
هذه مجرد أمثلة فقط على نشاط هذه «المخيلة العجيبة» التى أعتبرها رأسمال الكاتب والروائى وأى مبدع عمومًا؛ فعلى قدر نشاط وفعالية هذه المخيلة، وقدرتها على التفاعل والهضم والمزج والتوليف، ثم الإبداع والابتكار والتأليف، تكون النتيجة ويكون الاستقبال وتكون الاستجابة.
فى هذه الزيارة أدركت ما يقصده العشماوى من «اللعب»، تلك الكلمة التى كررها فى كثير من الحوارات التى أُجريت معه أو فى شهاداته الروائية المنشورة، يقول:
«منذ أن بدأت الكتابة من سنوات بعيدة، لم يكن لدىّ سبب محدد وقتها سوى أننى أحببت اللعبة وما زلت. غير أننى وجدتها مع الوقت وسيلة مثلى للتعبير عن أفكارى، لتداولها مع آخرين، ولنقل أحاسيس ومشاعر وخيال. أنا أتبادل مساحات من التخيل والتفكير مع قارئى؛ فهو شريكى فى عملية الإبداع. أترك له مسافة ربما تكون صغيرة لكنها كافية ليتحرك فيها، بينما أصول وأجول فى مساحتى.
وقد حظى العشماوى، لإخلاصه لما يكتب وقناعته بأنه يفعل ما يحب، بألا ينتظر أكثر من أن يقضى لحظات سعادة خالصة فى صحبة من يخايلونه ويتراءون له يقظةً ومنامًا!