«وهج الأصالة» فى الشارقة التراثية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الخميس 12 فبراير 2026 4:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«وهج الأصالة» فى الشارقة التراثية

نشر فى : السبت 7 فبراير 2026 - 5:40 م | آخر تحديث : السبت 7 فبراير 2026 - 5:40 م

(1)
ويتجدد اللقاء بالشارقة العزيزة، و«أيامها التراثية الأصيلة»، ولياليها العامرة بمجالس السمر والحكايات وأحاديث الأدب والفن، بدعوةٍ كريمة من معهد الشارقة للتراث، برئاسة الأخ الدكتور عبد العزيز المسلم، تشرفتُ بحضور بعض فعاليات أيام الشارقة التراثية فى نسختها الثالثة والعشرين، التى افتتحها الشيخ الدكتور سلطان القاسمى، حاكم الشارقة، وبحضور حاشد لكتّاب ومثقفين وإعلاميين وخبراء التراث من 27 دولة عربية وأجنبية، فيما حلّت «البرتغال» ضيف شرف هذه الدورة بحضور رسمى رفيع المستوى، وذلك بمناسبة مرور خمسين عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.


ليست المرة الأولى التى أزور فيها «الشارقة»، التى أعتبرها إحدى أهم وأكبر «الحواضر الثقافية»، ليس فى العالمين العربى والإسلامى فقط، إنما فى العالم كله أيضًا. اسمها وحده يستدعى نشاطًا ثقافيًا محمومًا لا يكف عن التواصل والاستمرار خلال العقود الأخيرة فى كل فروع ومجالات الثقافة العربية والإسلامية والعالمية؛ اللغة العربية وعلومها الأصيلة، التراث بشقّيه المادى واللامادي، الأدب وأجناسه، الفنون الإبداعية بأشكالها الأدائية والتعبيرية والتصويرية... إلخ، وذلك عبر إقامة مئات الفعاليات: مناسبات محلية ودولية، مهرجانات وعروض فنية، معارض كتب، مبادرات ثقافية... إلخ.


(2)
و«أيام الشارقة التراثية» من بين هذا النشاط الهائل هى درة التاج وواسطة العقد، واستطاعت خلال العقد ونصف العقد الأخير أن تكون، دون مبالغة، أهم كرنفال تراثى عالمى يحتضن عشرات المبدعين والفنانين والخبراء والمختصين من جميع أنحاء العالم.


وعلى مدار عقد كامل تقريبًا وأنا أتابع التطور المذهل فى هذا الكرنفال العالمى السنوى الكبير؛ منذ شهدتُ أول نسخة منه فى العام 2017 وحتى نسخة هذه الأيام؛ اتسعت مساحات المشاركة للخبراء والفاعلين فى مجال التراث من جميع أنحاء العالم، وتنامى الاهتمام بالدورات والورش الحرفية والصناعات اليدوية التراثية، كل ذلك بموازاة اجتذاب كبار المتخصصين من أكاديميين وباحثين ومعنيين بالشأن التراثى فى كل حقوله ومجالاته؛ المادى منها واللامادى، الشفاهى والمدوّن، الفردى والمؤسسى.


إن تجليات هذا النشاط أكبر من أن يحيطها الحصر فعلًا، لكن بنظرة تقريبية، ومن خلال مشاهدة وحضور بعض فعاليات «أيام الشارقة التراثية» التى تستمر حتى 15 من الشهر الجارى، فإن الشارقة استطاعت فعلًا أن تغطى كل جوانب الثقافة العربية والإنسانية من حيث الاهتمام بها، وإلقاء الضوء عليها، والسعى بدأب إلى نشر الوعى بها وتنميتها، ليس فى نطاقها المحلى بل يتجاوزه إلى البلدان العربية والإسلامية والعالم أجمع.


(3)
لقد صارت الشارقة، ودون أى مبالغة، الحاضنة الثقافية العربية التى تزدهى أيامها على مدار العام، وتحفل مدنها وأحياؤها من أقصاها إلى أقصاها، ومن أدناها إلى أدناها، بكل ما يؤكد «الأصالة العربية» ووهجها، ويحتفى بمكوناتها وعناصرها المشكلة لخصوصيتها، كما، وفى ذات الوقت، ترحب بالجديد العصرى وبكل ما يخدم ويرسخ هذا التوجه التنموى المتسارع والنزوع النهضوى الحقيقى، فى تمازج يحقق المعادلة الصعبة: لا نهوض بلا هوية، ولا تقدم بلا انفتاح، ولا منافسة إلا بالأخذ بالأسباب وامتلاك الوعى الحقيقى والطموح المشروع والرؤية العامة الشاملة القادرة على تجسيد هذا الطموح... وهذا ما فعلته، وتفعله بدأب ووعي، الشارقةُ، الحاضرة الثقافية التنويرية الأكبر عربيًا الآن بلا خلاف.


إن «الثقافة»، أو «المنتج الثقافى»، أو «المحتوى الثقافى» إذا ما استخدمنا المصطلح المعاصر، منتج ذو خصوصية لطبيعته ومحتواه ومتعاطيه على السواء، فيما صار الآن يُعرف بالصناعات الثقافية (ومنها الصناعات الثقافية الثقيلة التى يندرج تحتها تنظيم المعارض والمؤتمرات والمهرجانات الضخمة)، ولا يتصدى لهذه الصناعات الثقيلة (وضمنها الصناعات الثقافية أو الإبداعية بطبيعة الحال) إلا أصحاب الرؤى الواعية الفاهمة لأهمية الثقافة وأدوارها التأسيسية الممتدة وبعيدة المدى، والتى لا تقل أبدًا عن رغيف العيش فى أهميتها؛ لأننا فى زمن تحاول فيه خفافيش الظلام أن تنهش قيمنا وهويتنا، وتطمس حضارتنا، وتسعى إلى أن تعيدنا القهقرى إلى كهوف الظلام والجهل والتخلف.


(4)
فى كل ليلة من ليالى الشارقة التراثية، ستجد مجموعات من المثقفين العرب والأجانب، كُتّابًا ونقادًا وفنانين، من كل الدنيا.. تتحول جلساتهم ببساطة ويسر إلى حلقات نقاش حقيقية، ومجالس سمر ثقافى رفيعة المستوى؛ كأنها واحدة من المجالس العامرة التى سجلها العلّامة أبو حيان التوحيدى فى كتابه التراثى الأشهر «الإمتاع والمؤانسة».


إن النشاط الباهر الذى يقوده حاكم الشارقة بنفسه، وبدعم شخصى كامل منه، ومتابعة دقيقة دؤوبة، تكاد تكون لحظة بلحظة، لكل فعالية كبرى فى الشارقة، وعلى مدار العام بأكمله، كل هذا بدأ يؤتى ثماره الحلوة النقية الخالصة؛ نجحت «الشارقة» بامتياز فى أن تتجاوز الجمال الظاهر للشكل الخارجى لفعالياتنا الثقافية فى العالم العربى إلى الجمال الأبقى، وهو التأثير المباشر والأثر بعيد المدى الذى ظهر فعلًا، وسيتجدد ظهوره كل عشر سنوات، لدى كل طفل عربى حضر هذه الفعاليات وتشبع بها، وعمره خمس سنوات فقط.


ستبقى أيام وليالى الشارقة، ونشاطها الثقافى الباهر، فى الوجدان ما بقيت الروح، وستظل حاضرة غنية متوهجة ما بقيت الذاكرة.. وهناك أمل كبير ومستقبل واعد رغم كل شىء.