كل المؤشرات تدل على أن الحملة الانتخابية المقبلة قد تكون أكثر الحملات التى عرفناها تحدّيًا، وفوضوية، وعنفًا. وحتى إن لم يُحدَّد موعد رسمى بعد، فإن الحملة الانتخابية بدأت فعليًا، إذ إن جميع الأطراف وأصحاب المصالح، والمعسكرَين الرئيسيَين بصورة خاصة، باتوا مستعدين، ويدركون أن هذه الجولة ستكون الأقسى والأكثر تصادمًا على الإطلاق.
من حيث طابعها، ستشبه هذه الحملة إلى حدٍّ كبير انتخابات سنة 1981، وستكون: طائفية، دينية، عدوانية وعنيفة، ويمكن رؤية بوادر الاشتباك فعلًا منذ الآن، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، إنما يعيد إنتاج عناصر متشابهة لظواهر متعددة؛ الصراع بين الطوائف، والمواجهات داخل الأحزاب، والفساد المنتشر فى كل زاوية. وكل ذلك حاضر اليوم بقوة، ويكفى تصفح الصحيفة اليومية أو مشاهدة نشرة الأخبار.
على امتداد فترة قيام دولة إسرائيل، شهدت عدة حملات انتخابية حوادثَ عنف موثَّقةً. حتى دافيد بن جوريون، خلال فترات ولايته رئيسًا للحكومة وفى أجواء الانتخابات، كان محاطًا بنشطاء سياسيين عدوانيين دعموه بهمجية وهددوا أمن معارضيه، بينهم إلياهو سعدون؛ رجل قوى البنية بشارب كثيف، هاجر من بنغازى فى ليبيا، وعاش طفولته وشبابه فى حى فقير فى تل أبيب، وترأَّس مجموعة من أنصار بن جوريون، وكان يرافقه إلى التجمعات المتعددة لـ«حفظ النظام». وقد اعتاد سعدون ورجاله، منذ سنة 1955 وحتى اعتزال بن جوريون سنة 1963، مقاطعة خطب الخصوم، وتشجيع «الرجل العجوز» بالهتافات، وتوزيع المناشير، وإعلان أن بن جوريون هو «صديقنا العظيم». وقد نال لقب «قائد فرقة الملاكمة فى حزب مباى» بعد وقوع اشتباك بالأيدى مع متظاهرين قرب بيت أرلوزوروف فى تل أبيب، حيث كانت المؤسسات العليا لحزب مباى مجتمعة لبحث إقالة الأمين العام للهستدروت ووزير الدفاع السابق بنحاس لافون.
واليوم يبرز اسم مردخاى دافيد، وشعاره «بيبى الملك»، وهو يقوم بالحركات العدوانية نفسها، بل يضيف إليها أساليبه الخاصة. بات التحريض يحيط بنا من كل جانب، والمحرّضون على الأرض ليسوا دائمًا السياسيين أنفسهم، بل نشطاء يعملون كوكلاء لهم، وغالبًا ما تكون معارفهم وفهمهم للقضايا الجوهرية لدولة إسرائيل -الأمن، والتعليم، والاقتصاد، وغيرها- محدودة جدًا أو معدومة.
مرآة لليسار؟ أى مرآة؟
كما هو الحال مع الناشط المتحمس مردخاى دافيد، الذى من المشكوك فيه أن يكون على دراية بالمساهمة التاريخية الكبيرة للبروفيسور أهارون باراك فى القضاء الإسرائيلى، أو بأهمية أدوار إيهود باراك العديدة فى أمن إسرائيل، فإن السياسيين الكبار، وبعضهم بدوره يفتقر إلى معرفة تاريخ إسرائيل، يشجعونه علنًا، ويربتون على كتفه، ويشرحون له أن نشاطه العدوانى «يضع اليسار أمام المرآة»، من دون أن يفهم هو نفسه معنى ذلك.
فى انتخابات 1981، وهى أول حملة انتخابية بعد الانقلاب السياسى سنة 1977، أُضرمت النيران، وحُطّمت الأملاك، وتعالت الصرخات والشتائم، ووُجّهت اللكمات، وجرى البصق، وتخريب الأملاك، وتحطيم النوافذ، ودهن السيارات بالأسفلت. وقد صرخ موته غور [كان عضو كنيست عن حزب العمل] فى وجه متظاهرين من اليمين: «سندوسكم كما دُسْنَا العرب». وصرخ شمعون بيرس من فوق المنصة فى مهرجان انتخابى واصفًا إياهم بأنهم «شيوعيون» ذوو «حركات شرقية بذيئة».
ولم يبقَ الطرف الآخر صامتًا؛ ففى أحد مهرجانات الليكود، قال مناحم بيجن من على المنصة: «المعراخ يتحدث عن العنف؟ ليخجلوا! نحن نذكر جيدًا عنفهم فى أيام السيزون [الاسم السرى لعمليات المطارة لنشطاء الأتسل فى الفترة 1944-1945]، وافتراءات الدم، وألتالينا [الاشتباكات التى وقعت بين الجيش الإسرائيلى والإرغون سنة 1948]. نعرف جيدًا ما هم قادرون عليه. هم مَن أنشأ هنا مفهومًا جديدًا: البيغنية.
سيكون من الحكمة أن يعمل السياسيون من كلَى المعسكرَين الآن على خفض منسوب التحريض وتهدئة نشطاء الميدان الموالين لهم، فالمسئولية عن أى عمل عنيف أو تخريبى فى الحملة الانتخابية المقبلة تقع على عاتق ممثلى الجمهور، الذين يجب أن يدركوا أن المجتمع الإسرائيلى يمر اليوم بأزمة غير مسبوقة، وأن التصعيد لن يؤدى إلاَّ إلى تفاقم الوضع. عليهم تحمُّل المسئولية.
كما ينبغى على القنوات التليفزيونية أن تضبط نفسها، فحرب إعلامية عدوانية وسافرة كهذه لا تؤدى إلاَّ إلى صب الزيت على النار. إن السياسيين، لا سيما من اليمين، المدركين لقوة الإعلام، منشغلون بالمقاطعات والدعاوى القضائية، كما نُشر مؤخرًا بشأن الصندوق الذى يهدف إلى مقاضاة «كشيت 12» بتمويل من نير بركات.
كان يُطلق سابقًا على حرب الاستنزاف التى تلت مباشرة حرب الأيام الستة [حرب يونيو 1967] اسم «الحرب بعد الحرب»، أمَّا الحرب التى تلى حرب غزة اليوم، فهى حرب أهلية، وهى فى الواقع حرب على وجود الديمقراطية الإسرائيلية بحد ذاتها.
هذه الحرب، التى قد نشعر بأيامها العصيبة مع اقتراب نهاية الحملة الانتخابية المقبلة، يمكن تجنبها إذا ما عرفت الأطراف المتطرفة كيف تضبط نفسها، وإلاَّ فستؤدى ذلك إلى خراب البلد.
عيران ألدار
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية