طوال الوقت، يُقال إن «ترامب غير متوقّع»، وأنه «من المستحيل معرفة ما الذى سيحدث». هذا غير صحيح؛ فمن خلال تحليل شخصية الرجل، يمكن أن نخرج بانطباعٍ، مفاده بأنه فى المجمل، شخص قابل للتوقّع إلى حدّ كبير، ويمكن التنبؤ بخطواته؛ ولتوصيف تحركاته، يجب تحليل ملفه الشخصى وأفعاله على مرّ السنين، والظروف الخاصة الخاضعة للفحص.
فى سنة 1987، عندما كان ترامب رجل أعمال ناجحا، نشر كتابه الشهير «فن الصفقة». لم يكن اختيار العنوان عشوائيا، بل مستوحى من كتاب «فن الحرب» الذى كُتب فى القرن السادس قبل الميلاد، وأصبح مصدر إلهامٍ لقادة عسكريين ورجال دولة وصنّاع قرار. فى تلك الأعوام، حاول ترامب تقديم نفسه كخبير فذّ فى التفاوض التجارى، وأراد أن يصبح مصدر إلهام لكل قائد، أو سياسى، أو رجل أعمال، يسعى لتعظيم أهدافه وتحقيق النجاح فى الصفقات.
يحدّد ترامب فى كتابه خمسة مبادئ للنجاح: التفكير الطموح؛ التأكّد من عدم الخسارة؛ استخدام أدوات الضغط؛ السيطرة على السردية والوعى العام؛ والتصرّف بعدوانية.
من الناحية النفسية، واستنادا إلى «دليل تشخيص الاضطرابات النفسية» (DSM) الذى يُعد بمثابة المرجع الأساسى لعلماء النفس، فإن الرئيس الأمريكى يتوافق مع سمات الشخصية النرجسية: شعور مفرط بالعظمة، وانشغال زائد بالقوة والمظهر، وتصوّر ذاتى «متميز»، وحاجة ملحّة إلى الإعجاب، وانعدام التعاطف مع الآخرين، وشعور بالتفوّق، وغيرة من الآخرين، وغرور وغطرسة.
مع بداية الاحتجاجات المدنية فى إيران، غرّد ترامب، قائلا إن «المساعدة فى الطريق»، لكن المتظاهرين الذين انتظروا المساعدة لم يحصلوا عليها، وقُتل الآلاف – وربما أكثر – على يد قوات الحرس الثورى. وبدأت الانتقادات توجَّه إلى ترامب من داخل إيران، وحتى فى الولايات المتحدة، حيث عاد استخدام التعبير «ترامب يتراجع دائما».
هذه الانتقادات مستغرَبة، لأن سلوكه متوقّع إذا نظرنا إلى امتناعه من الرد الأمريكى خلال ولايته الأولى، الاتفاق السريع الذى عقده مع الحوثيين فى مايو 2025، بعد مواجهة عسكرية قصيرة؛ أو حتى إلى الضربة المحدودة فى فوردو خلال عملية «شعب كالأسد»، الخطوة التى سارع بعدها إلى التغريد بأن الحرب انتهت، وفرض إنهاءها على الطرفين.
علاوةً على تجنّب الحروب، يعمل ترامب على الدفع بصفقات، أو تسويات إقليمية. ففى بداية ولايته الحالية، سعى لإنهاء حرب «السيوف الحديدية»، والحرب الروسية الأوكرانية، ونجح فى التوصّل إلى اتفاق بين الهند وأفغانستان، بل اقترح على مصر إنهاء النزاع مع إثيوبيا.
لذلك، وبالنظر إلى طبيعته، ومنطقة الراحة التى يعمل ضمنها، والقوة المتاحة له، بصفته القائد الأعلى للجيش الأمريكى، أعتقد أن ترامب سيستخدم الأدوات التى لديه، ليس لتحقيق حسم عسكرى، بل للتوصّل إلى صفقة تخدم صورته التى يحاول ترسيخها، بصفتها إرثه السياسى؛ وحتى إذا لجأ إلى استخدام القوة، فسيكون ذلك بشكل محدود، كقوة ردع وإشارة، لا كوسيلة لإطاحة النظام، بل لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
أمّا الصفقة التى سيحققها فى نهاية المطاف، فسيغلّفها بغطاء ذهبى، ويعرضها على أنها أفضل صفقة فى العالم، ويقدّم نفسه، باعتباره أعظم مفاوض فى الكون.
دورون هدار
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية