نشرت جريدة القبس الكويتية مقالا للكاتب سليمان الخضارى، يوضح فيه أن الاعتذار ليس مجرد كلمة تُقال لإراحة ضمير المخطئ، بل هو سلوك أخلاقى وجوهر نابع من الندم وتغيير الفعل، مؤكدا أن بعض الاعتذارات قد تكون «سامة» أو مؤذية إذا خلت من المسئولية والصدق.. نعرض من المقال ما يلى:
«أنا آسف»، كلمتان بسيطتان يُفترض أن تكونا جسرا للمصالحة، لكنهما أحيانا تتحولان إلى حجر يُلقى فى بركة هادئة، فيُعكّر صفوها بدل أن يُصلح ما أفسده الزمن، فليس كل اعتذار يشفى، وهنالك اعتذارات تُثير الغضب أكثر مما تُطفئه، وتفتح الجراح بدل أن تُضمّدها، وتجعلك تتساءل، هل جاء ليعتذر فعلا.. أم ليُريح ضميره على حسابى؟
أسوأ أنواع الاعتذار ذلك الذى يأتى خاليا من الندم الحقيقى، كأن يقول صاحبه: «أنا آسف إن كنتَ شعرت بالإهانة»، لاحظ معى كيف حوّل المشكلة من فعله إلى شعورك، وكأن الخطأ ليس فيما فعل بل فى طريقة استقبالك، هذا ليس اعتذارا يا سادة، بل هو اتهام مُغلّف بورق المجاملة، يُحمّلك صاحبه مسئولية الألم الذى سبّبه هو، ويجعلك تشك فى مشاعرك بدل أن يعترف هو بخطئه!
وهنالك الاعتذار المتكرر، ذلك الذى يأتى بعد كل إساءة كأنه طقس يومى لا بد منه، فيُخطئ ثم يعتذر، ثم يُخطئ ويعتذر، فى دورة لا نهاية لها، حتى تفقد الكلمة معناها وتصبح مجرد صوت فارغ، فكلمة «آسف» التى تتكرر دون تغيير فى السلوك ليست اعتذارا، بل إذن مُسبق لارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى.
ثم هنالك ذلك الاعتذار الذى يضغط عليك لتغفر فورا، فيأتيك مُثقلا بتوقعات القبول، وكأن مجرد نطقه بكلمة «آسف» يُلزمك بإغلاق الملف فى اللحظة نفسها، وإن تأخرت فى المسامحة صرتَ أنت الظالم، وهو المظلوم الذى «حاول» لكنك رفضت، هذا الاعتذار يسلبك حقك فى التعافى وأن تهضم ما حدث، وحقك فى أن تغفر حين تكون مستعدا لا حين يُناسب الآخرين!
لقد جُبلنا على أن نُقدّس شكل الاعتذار ونتجاهل جوهره، نُعلّم أطفالنا أن ينطقوا كلمة «آسف» لكننا لا نُعلّمهم أن يفهموا لماذا وعماذا يعتذرون، فنُربّيهم على الكلمة لا على المعنى، ليكبروا فيصبحوا بارعين فى النطق، فقراء فى الشعور، يُتقنون طقوس المصالحة دون أن يفهموا فلسفتها!
الاعتذار الحقيقى لا يأتى ليُريح صاحبه، بل ليُخفف عمن أُخطئ فى حقه، وهنالك فرق شاسع بين الاعتذارين، فالأول يبحث عن إبراء ذمة المخطئ وإنهاء الحوار بأن يقول «لقد اعتذرت وانتهى الأمر» وكأنه يُطالب بحقوق له كمعتذر، والثانى يبحث عن إصلاح ما تم إفساده، فيحاول صاحبه فهم ألمك ويعدك بصدق بتجنب تكرار ما تسبب به ويفتح لك بذلك بابا للشفاء ويمنحك حقك فى التعافى بسرعتك الخاصة.
المدهش أن الصمت أحيانا يكون أصدق من ألف اعتذار، فحين يُغيّر الإنسان سلوكه دون أن ينتظر منك شهادة حُسن سير وسلوك، وحين تُلاحظ أنه توقف عن الإيذاء دون أن يُطالبك بالامتنان، وحين يمنحك المسافة التى تحتاجها دون أن يشعرك بالذنب، هذا النوع من الندم الصامت يقول ما تعجز عنه الكلمات، ويُثبت أن الاعتذار الحقيقى فعلٌ قبل أن يكون قولا.
الاعتذار الذى يستحق اسمه يا أصدقائى هو ذلك الذى يأتى متواضعا، فلا ينتظر مكافأة ولا يفرض شروطا، ويعترف بالخطأ كاملا دون تبرير، ويمنح المجروح حريته فى القبول أو الرفض، ويُثبت صدقه بالتغيير لا بالتكرار، أما ما دون ذلك، فهو مجرد ضجيج.. يُعيد فتح جراحك ثم... يُطالبك بشكره على ذلك!
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/43vz6jmb