الفراغ الافتراضى وإعادة تشكيل الوعى - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 29 يناير 2026 6:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

الفراغ الافتراضى وإعادة تشكيل الوعى

نشر فى : الأربعاء 28 يناير 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 28 يناير 2026 - 7:55 م

من عصر الثقافة والإبداع العقلى القائم على البحث والتطوير والاجتهاد، إلى البيئة السطحية المرتكزة على الخوارزميات والمحتوى الذى قد يتسم بالتفاهة ويؤثر بصورة كبيرة فى إعادة تشكيل الوعى العربى، يتناول الدكتور على محمد الخورى هذا التحول الحساس والخطير، بأسلوب مبسط، فى أحدث إصداراته العلمية، وعنوانه «هندسة الفراغ: كيف تُصاغ المجتمعات بالتفاهة». وقد استطاع المؤلف على مدى صفحات الكتاب تقديم محتوى عميق ومباشر عندما وضع الهدف من مؤلَّفه، ألا وهو محاولة كشف البنية التى تقوم عليها هذه الظاهرة، وتفسير المسار الذى ساهم فى بلوغ التفاهة بؤرةَ التأثير على العقل العربى.
إن التكنولوجيا الرقمية وتطوراتها اليومية المذهلة والمتسارعة لم تعد قاصرةً على تسهيل حياة البشر ونشر المعلومة والمعرفة بسرعة الضوء بين جنبات الكرة الأرضية بمختلف اللغات فحسب، بل أيضًا تنشر المحتوى الشكلى والضعيف على حساب الفكرة الهادفة. وفى هذا الخضم أصبحت "السطحية" و"الفراغ الثقافي" ظاهرة لها أطر وقواعد وأدوات ومنافع اقتصادية، الأمر الذى يصيب المرءَ المثقفَ بالحيرة والارتباك. فالإنتاج البشرى فى عصر التكنولوجيا الرقمية، حسب الكتاب، أصبح ينتشر ويتنامى بصورة مذهلة، وتتميز نسبة كبيرة منه بأنها بعيدة عن الأطر الثقافية والقواعد والأسس العلمية، وبالتالى فإن أكثر ما يميز ذلك الإنتاج هو السطحية. ولذلك، أصبحت «التفاهة» نمطًا أصيلًا يتغلغل فى البنية الاجتماعية، وأصبح الالتصاق بالشاشات هو معيار نجاح ذلك المحتوى السريع وليس اقتناء الكتاب.
كما أصبحت «التفاهة» معيارًا جديدًا للاستنتاج والتأثير، وذلك لقدرتها الفائقة على الانتشار وإعادة التدوير، بينما أصبح التفكير النقدى والتحليل العلمى والاختلاف الفكرى.. أعباء نفسية ومصادر تهديد للسكينة. والأمر اللافت للنظر هو التغييرات الجذرية المتسارعة فى منظومة القيم المجتمعية نتيجة انتشار أفكار بلا مضمون ولا عمق فكرى.
كما يستعرض المؤلفُ العديدَ من الموضوعات المهمة وذات الصلة بتأثير التكنولوجيا الرقمية على حياتنا وتفكيرنا. فمن جانب، نجد المثقف قد تبدّل دورُه ليصبح غير مؤثر. كما نجد أن مكانةَ الإنسان التى كانت تُقاس بمدى ما يحمله من معرفة وثقافة ذات تأثير فى البيئة المحيطة به، أصبحت تقاس بعدد منصاته على وسائل التواصل الاجتماعى وأعداد متابعيه.
ومن هذه الموضوعات ينتقل المؤلف إلى مناقشة الطريقة التى تُعاد بها هندسة الإدراك عبر أنظمة تقنية خفية لا يدركها الكثيرُ منا، ليبين كيف أصبحت الشعارات بديلة عن الأفكار، كيف غدًا الشكل أهم من المضمون. وقد ساهم هذا كله فى تشويه الهوية ودخولها مرحلة الاغتراب والاكتئاب الرقمى، بسبب سيطرة المشاعر المفبركة والوجوه الزائفة على حياة البشر وخاصة أجيال الشباب والمراهقين.
ثم يتناول المؤلف صناعة التفاهة كوظيفة اجتماعية أصبح مَن يشغلها من الطبقة الاجتماعية الرفيعة فى ظل نظام إنتاج متكامل يرعى تلك الصناعة، ما يسهم فى تفكيك المجتمعات وانتشار الهشاشة الثقافية.
ويختتم الدكتور على محمد الخورى كتابَه بطرح بعض الحلول التى يراها مناسبة، وتتمحور فى معظمها حول ضرورة بناء بديل معرفى من خلال إعادة تعريف دور المدرسة والمؤسسات الثقافية وغيرها من الجهات الفاعلة فى المجتمع. كما يؤكد أهمية تبنِّى ميثاق ثقافى جديد لإعادة بناء الإنسان على أساس الفكرة وليس الصورة؛ فالحضارات أحيانًا تنهار لأسباب داخلية وليس دومًا بالسلاح والحروب، ومقاومة التفاهة هى مفترق طرق بين الوعى والوهم.
عبدالله محمد الشيبه
جريدة الاتحاد الإماراتية

التعليقات