السينما الأمريكية القاتلة - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 28 مارس 2026 5:51 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

السينما الأمريكية القاتلة

نشر فى : الجمعة 27 مارس 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الجمعة 27 مارس 2026 - 5:55 م

الأمريكان سادة السينما فى العالم بلا منازع، وقد استخدموها لتكريس مفهوم العولمة ونشر صورة زائفة عن الأمريكى البطل الكريم الذى يأبى الضيم وينصر الضعفاء، وقد نجحوا بالفعل فى تحويل الأفلام السينمائية لشرائط دعاية مجانية للسياسة الأمريكية مهما كانت عدوانية ورخيصة. وفى هذا الشأن يمكننى أن أرثى لخصوم الأمريكان الذين يواجهون صراعًا غير متكافئ يتحولون فيه على يد صناع الأفلام إلى وحوش بشرية فى منتجات سينمائية تستخدم الصور والألوان والحوار والموسيقى والمؤثرات لإقناعك بفكرتهم وجعلك تكره أعداءهم وتبكى لأجل ضحاياهم، مستبعدًا تمامًا فكرة أن هناك ضحايا. على الجانب الآخر قام الأمريكان بقتلهم دون رحمة.. ومعظمهم للأسف من المدنيين! ويمكننا أن نتصور أن العدوان الأمريكى الإسرائيلى الحالى على إيران بغرض تدميرها وكذلك تدمير دول الخليج العربية.. هذا العدوان سوف تنتج عنه فى القريب العاجل عشرات الأفلام تتناول عن طريق الدراما المؤثرة الأعداء الوحوش الذين واجههم الجندى الأمريكى النبيل أثناء محاولاته نشر الديمقراطية والسلام فى بلادهم!
ويمكن لمن تابعوا أفلام هوليوود التى تم إنتاجها أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك الأفلام التى قدموها بعد الحرب أن يفهموا ما نقول، حيث قدمت الجندى الأمريكى باعتباره حامل رسالة الخير والسلام فى مواجهة همجية جنود النازى، مع أن الواقع يقول إن الفريقين ارتكبا بحق بعضهما وبحقنا أيضًا كل أنواع جرائم الحرب!
كان للسينما الأمريكية أيضًا دور مشهود أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى، وقد لعبت أفلام مثل سلسلة جيمس بوند دورًا مشهودًا فى الصراع، وكذلك أمكن توظيف مخرج بحجم ألفريد هتشكوك ليتفرغ أثناء الستينيات لإخراج أفلام مثل «الستارة الممزقة» و«توباز»، وهى أفلام تمثل دعاية صارخة للطرف الأمريكى فى الصراع مع السوفييت، وقد كانت مع غيرها من الأفلام سبيلًا لأن تصل إلى المتفرج العادى فى كل أنحاء العالم صورة عن الروسى السخيف البارد، القاسى، الخالى من المشاعر، مقابل الأمريكى الحالم خفيف الظل والذى هو رب أسرة عطوف كذلك!
من هذه النوعية و لنفس الأغراض يأتى الفيلم الذى عرضه التليفزيون مؤخرًا للممثل توم هانكس مع ساندرا بولوك واسمه:
Loud and close
الفيلم من إنتاج 2011 ويقوم بدور البطولة فيه طفل صغير يعانى من فقد والده ولا يستطيع مواصلة الحياة بعد رحيل الأب الذى كان يمثل كل شىء فى عالمه، وقد انهار هذا العالم بفقد هذا الوالد. الفكرة عادية وتم تقديمها فى السابق، غير أن صناع الفيلم أمكنهم أن يُبكوا المشاهدين طوال مدة الفيلم باللعب على المشاعر، لأن هذا الوالد المتوفى كان أحد ضحايا انهيار مبنى مركز التجارة العالمى فى الحادى عشر من سبتمبر 2001!
الفيلم محبوك بحرفية عالية ولا يتعرض بشكل مباشر لمن قاموا بالهجوم وتفجير الطائرة فى البرج، لكن يتركك طول الوقت تلعن الإرهابيين القتلة (وهم كذلك بالفعل) الذين حرموا هذا الطفل من والده دون ذنب جناه، كما حرموا الزوجة الشابة من رجلها المحب الطيب.
لا يملك المرء وهو يشاهد أفلامًا كهذه أن يتجاهل فكرة أن قصف ملجأ العامرية ببغداد بواسطة الطائرات الأمريكية، وقد كان يعج بمئات النساء والأطفال دفنوا جميعًا تحت الأنقاض كان يصلح لعمل عشرات الأفلام، وكذلك الغارة الإسرائيلية على قرية قانا التى كان كل ضحاياها من الأطفال، وكذلك القصف الإسرائيلى بقنابل الفوسفور الأبيض لمركز الأمم المتحدة لتوزيع الغذاء على المدنيين فى غزة، وبالطبع هناك الغارة الشهيرة للصهاينة على مدرسة بحر البقر الابتدائية بمصر، والتى أوقعت تلامذة المدرسة الصغار جميعًا ما بين قتيل وجريح. كل هذا أضيف إليه مؤخرًا جريمة ترامب البيدوفيلى المارق الذى قصف مدرسة «الشجرة الطيبة» فى جنوب إيران فقتل 170 طفلة فى الحال. كان من الممكن إنتاج أفلام عديدة يتناول كل منها أحد ضحايا واحدة من هذه المجازر فيقدم نموذجًا ليوم عادى فى حياته وهو يستذكر لأطفاله دروسهم، بينما الأم منهمكة فى تحضير السندوتشات للأسرة، وأشياء من هذا القبيل.. لكن ما منع تقديم مثل هذا العمل أن العرب ليسوا متخلفين سينمائيًا فقط وإنما هم فاقدون للهمة أيضًا! وفقدان الهمة هذا فضلًا عن التواطؤ فى بعض الأحيان منع السينمائيين العرب من اتخاذ أى واحدة من المذابح -وما أكثرها- التى تعرض لها العرب والمسلمون على يد إسرائيل مادة سينمائية خصبة تستخدم فيها نفس أدوات السينما التى تنفذ إلى القلوب وتقدم العرب فى صورتهم الحقيقية كضحايا للإرهاب معظم الوقت، وليسوا كإرهابيين كما برعت السينما الأمريكية الصهيونية فى تقديمهم.
إننى أتصور أن عرض هذه الأفلام الأمريكية المصنوعة ببراعة للجمهور العربى مع غياب إنتاج فنى يقدم قصص وحكايات الضحايا من أبناء جلدتنا قد ساهم فى إحداث تعاطف لدى جانب كبير من الجمهور لدينا مع الطرح الأمريكى الإسرائيلى، والذى هو فى النهاية رد فعل محدود الأثر على مجازر رهيبة وقعت بحق الإنسان العربى، وقد ساهم هذا التعاطف فى حرف وعى الناس عن حقيقة انتمائهم الذى يعيه أعداؤهم جيدًا بكل أسف، وساهم فى انصراف المواطن العربى عن متابعة القصف الإسرائيلى اليومى لقطاع غزة بعدما أصبحوا ينظرون للمأساة الفلسطينية على أنها أصبحت عائقًا فى سبيل استمتاعهم بالحياة دون تنغيص، وحاجزًا أمام إقامة علاقات كاملة بالإسرائيلى الذى أصبحوا ينظرون إليه بإعجاب! وهذه فى الحقيقة هى الهزيمة الحقيقية التى لعبت السينما فيها دورًا أساسيًا، حيث دأبت على تخريط البصل على قلوبنا وقلوب المشاهدين فى كل مكان لتكريس فكرة العربى والمسلم المتوحش، وذلك قبل قتله وسط ترحيب الجميع!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات