سوق الملل والضجر - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 9 مايو 2026 12:05 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

سوق الملل والضجر

نشر فى : الجمعة 8 مايو 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2026 - 5:55 م

لم يكن الإنسان القديم يعرف شيئا اسمه وقت الفراغ، إذ كان يقضى النهار محاولا الحصول على الطعام له ولأسرته من خلال صيد الحيوانات وقطف ثمار الأشجار، وفى الليل كان يأوى إلى مكان النوم حتى الصباح حيث تدور نفس الدائرة من جديد.

ظل الإنسان على هذا الحال زمنا طويلا يكدح ويمارس الأشغال الشاقة التى تحتاج للعضلات من أجل لقمة العيش.

فى البداية كان الناس جميعا يعملون ويؤدون نفس المهام التى تحتاج للقوة وتستهلك الجهد، وكانت المساواة تسود على نحو اشتراكى لم يتحقق بعد ذلك أبدا رغم سعى إنسان العصر الحديث لتطبيق العدالة والمساواة بين الناس. لكن بعد تنظيم المجتمعات وما صاحب ذلك من تقسيم طبقى أصبح بعض الناس يؤدون أعمالا أخف ويبذلون جهدا أقل من غيرهم، وحينئذ أصبحت الأعمال الشاقة من نصيب الفقراء وحدهم.

وقد ترتب على هذا أنْ توفّر للمترفين والأثرياء وقت فراغ لم يكن متاحا فى السابق. ويحكى التاريخ عن محاولات هؤلاء وسعيهم ليشغلوا وقت الفراغ هذا بالقدر الذى يتناسب مع حجمه ومع قدرتهم المادية.


كان وقت الفراغ مقصورا على قلة من الناس هم أصحاب الثروات غير المضطرين للعمل بأيديهم والذين كان يصلهم المال ببساطة ودون جهد يذكر.

بعد ذلك أصبحت حياة هؤلاء المترفين حلما ينظر إليه الفقراء بشوق وأصبح هؤلاء يتطلعون إلى يوم يكون لديهم وقت فراغ بعيدا عن العمل المرتبط دوما بالشقاء.

صار للفقراء منذ ذلك الوقت حلم اكتشفوه ووجدوه جديرا بأن يقاتلوا من أجل تحقيقه وهو كما ذكرنا الحصول على بعض وقت الفراغ، وحتى إذا فشلوا فى ملئه فلا بأس ويكفى أنهم لن يشتغلوا! البعض نجح فى تحقيق ذلك وتقلصت أوقات العمل الشاق بالنسبة لهم، ثم بعد أن بلغوا هذا سعوا للحصول على المزيد من هذا الوقت الذى لا يكونون فيه مضطرين لبذل الجهد من أجل البقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن خبروا نوعا من الحياة به أطايب ممتعة ولم تعد الدنيا عبارة عن رحلة عذاب محض.

ويمكن على ضوء هذه الفرضية اعتبار كل ما أنجزه الإنسان من علوم وبحوث واختراعات واكتشافات وقوانين وتشريعات على أنه كان لأجل هذا الهدف الغالى.. الحصول على المزيد من وقت الفراغ.

ويمكن بناء على هذا قياس الفارق بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتأخرة بأن الأولى هى التى يمتلك الناس فيها إجمالا وقتا فارغا أطول لأنهم يعملون عدد ساعات أقل ولأن لديهم الأدوات والوسائل والماكينات والروبوتات التى تقوم بالعمل نيابة عنهم فتساعد على توفير الوقت والجهد.

وبطبيعة الحال لا يدخل فى موضوعنا هذا العاطلون والمتبطلون الذين فشل سوق العمل فى استيعابهم وأصبح لديهم أوقات طويلة فارغة لأن ضيق ذات اليد سيحول بينهم وبين الاستمتاع بالفراغ وشغله بما يسعد النفس ويسر الخاطر..إنما المقصود هو المجتمعات والأفراد التى تمارس العمل لكن من خلال تكنولوجيا موفرة للجهد لا تحتاج إلى عضلات مفتولة وعرق غزير.

هذا وقد نجحت البشرية إجمالا فى تحقيق هذا الهدف بنسب متفاوتة فى كل مجتمع.. فهناك مجتمعات عملت الأجيال السابقة فيها بشكل كثيف جعل أبناءها يعيشون حاليا فى بحبوحة من الخدمات والوفرة الزراعية والصناعية بحيث إنهم يعملون عدد ساعات قليلا فى الأسبوع وبعضهم يعمل وينجز فروضه من خلال الكمبيوتر دون أن يضطر إلى مغادرة البيت!

.. كما أن هناك مجتمعات أصابها الخير بالصدفة ودون جهد فقامت باستيراد من يقومون بأداء الأعمال حتى البسيط منها وبذلك توفّر لأبنائها الكسالى الكثير من وقت الفراغ.

لكن رغم ذلك وجد الإنسان نفسه يواجه مشكلة جديدة هى ماذا يفعل بكل هذا الوقت الذى يشكل مجموعه حياته ذاتها؟..

لأجل ذلك برزت دنيا مستحدثة وعالم مواز ومشروعات قائمة كلها على الترفيه وتقديم ما يزجى الوقت ويدفع الملل ويساعد المترفين على حل مشكلتهم الوحيدة وهى وفرة المعروض من الوقت لديهم، وقد وفرت هذه الصناعة الضخمة فرص عمل بالملايين فى مجالات السياحة والترفيه واستهلاك الوقت وهى كلها أعمال لم تكن موجودة فى القرون الماضية عندما كان النشاط الإنسانى فى غالبه يهدف للحصول على الطعام وما يسد الرمق فقط.

الآن لم تعد السياحة حكرا على الأغنياء ، لكن دخلت شرائح جديدة إلى سوق الضجر والملل من الذين توفر لهم الوقت وأصبحوا يحصلون على نصيبهم العادل من الفراغ!


المشكلة أن هذا الحلم الذى سعى الإنسان لتحقيقه منذ بدء الخليقة لم يقدم للناس السعادة كما كانوا يظنون..

ربما يكون قد أعفاهم من القيام بالعمل الشاق لكنه لم يهدئ نفوسهم.. بالعكس زادهم حيرة بعد أن منحهم الوقت للتفكير والتأمل، ومن الغريب أن التفكير والتأمل لم يدفعهم إلى الزهد والحكمة، لكن زادهم شرها ورغبة فى الاستحواذ والاستهلاك وجَعَل أمراض التنبلة والكسل والأنتخة أقرب إليهم من أى زمن مضى، فبدلا من أن يمنحهم الفراغ والترفيه السعادة منحهم البطر والرغبة فى تجربة أنواع جديدة من المتع تؤدى إلى مشكلات جديدة، وهم فى سعيهم لعلاج المشكلات الجديدة باتوا يأتون بمن يحلها لهم بعد أن صاروا عاجزين عن مجرد معرفة أبعاد المشكلة وتقدير الحل، أى إنهم فقدوا الرؤية وضلوا الطريق إلى الحياة بمعناها الواسع.

والغريب أن هذه الحياة الجوفاء الفارغة من كل قيمة هى حلم بقية الناس!

 

 

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات