فى خضم التصعيد الإقليمى الحاد الذى يشهده الشرق الأوسط، تجد مصر نفسها أمام معادلة معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين مبادئ القانون الدولى ومصالح الأمن القومى العربى، وبين ضرورات التضامن مع دول الخليج العربى ورفض الانزلاق إلى منطق الحروب المفتوحة. فالقاهرة، بحكم موقعها الجيوسياسى وتاريخها الدبلوماسى، لا تستطيع أن تقف موقف المتفرج إزاء الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج، ولا يمكنها فى الوقت ذاته أن تقبل بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها خيارًا مشروعًا، لما تنطوى عليه من انتهاك واضح لقواعد القانون الدولى وتهديد لاستقرار الإقليم برمته.
إن الموقف المصرى من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج ينطلق من ثوابت راسخة تتعلق باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض أى تدخلات خارجية فى شئونها الداخلية. فدول الخليج ليست مجرد شريك سياسى أو اقتصادى لمصر، بل هى جزء من منظومة الأمن القومى العربى التى ترى القاهرة أن المساس بها هو مساس مباشر باستقرار المنطقة ككل. ومن هنا، فإن إدانة مصر لهذه الاعتداءات لا تأتى فقط فى سياق التضامن السياسى، بل تعكس إدراكًا عميقًا بأن استمرار السياسات الإيرانية العدائية من شأنه أن يقوض أسس التعايش الإقليمى ويغذى مناخات الصراع وعدم الاستقرار.
ولطالما أكدت مصر فى مواقفها الرسمية أن أمن الخليج خط أحمر، وأن أى تهديد له يستوجب موقفًا عربيًا موحدًا. هذا الموقف لا ينفصل عن خبرة تاريخية طويلة أدركت فيها القاهرة أن ترك النزاعات الإقليمية دون احتواء يؤدى إلى تفاقمها وتحولها إلى أزمات ممتدة يصعب السيطرة عليها. ولذلك، فإن رفض الاعتداءات الإيرانية يأتى أيضًا فى إطار السعى إلى منع تكرار نماذج سابقة من الانفلات الأمنى الذى عانت منه المنطقة؛ حيث أدت السياسات التوسعية والتدخلات العسكرية إلى انهيار دول وتمزق مجتمعات.
• • •
فى المقابل، لا ترى مصر فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حلًا مشروعًا أو مقبولًا لهذه الإشكاليات، بل تعتبرها امتدادًا لنهج القوة الذى أثبت مرارًا فشله فى تحقيق الاستقرار. فالقاهرة تدرك أن استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية لا يؤدى إلا إلى تعميق الأزمات، وأن هذه الحرب، مثلها مثل الاعتداءات الإيرانية، تتعارض مع مبادئ القانون الدولى التى تقوم على حظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول. ومن هذا المنطلق، ترفض مصر ازدواجية المعايير التى تبرر العنف فى حالة وتدينه فى حالة أخرى، وتؤكد أن الشرعية الدولية لا تتجزأ.
كما أن مصر تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها عاملًا إضافيًا فى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، إذ إنها تفتح الباب أمام مزيد من التصعيد وتوسيع رقعة المواجهة، بما قد يشمل أطرافًا إقليمية أخرى ويحول الصراع إلى حرب شاملة. هذا السيناريو يحمل فى طياته مخاطر جسيمة ليس فقط على الدول المنخرطة فيه، بل على شعوب المنطقة كافة، بما فى ذلك الشعب الإيرانى الذى سيدفع ثمنًا باهظًا من جراء استمرار العمليات العسكرية، فضلًا عن شعوب الخليج التى ستظل عرضة للتهديدات والهجمات.
ومن هنا، يتبلور الموقف المصرى كدعوة واضحة إلى رفض منطق الحرب من جميع الأطراف، سواء كانت اعتداءات إيرانية على دول الخليج أو عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية ضد إيران. فالقاهرة ترى أن كلا المسارين يقوضان فرص الحلول السياسية ويؤديان إلى إطالة أمد الصراع، بدلًا من احتوائه ومعالجته. هذا الموقف يعكس رؤية مصرية تقوم على أن الأمن الإقليمى لا يمكن تحقيقه عبر التفوق العسكرى أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال ترتيبات سياسية وأمنية قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.
• • •
فى هذا السياق، تسعى مصر إلى لعب دور الوسيط الذى يعمل على تقريب وجهات النظر وفتح قنوات للحوار بين الأطراف المختلفة. هذا الدور ليس جديدًا على الدبلوماسية المصرية التى راكمت خبرات واسعة فى إدارة النزاعات الإقليمية والدولية، بل هو امتداد لنهج تاريخى يضع الحلول التفاوضية فى صدارة الأولويات. فالقاهرة تدرك أن البديل عن الحوار هو استمرار دوامة العنف، وأن أى تسوية مستدامة لا بد أن تأخذ فى الاعتبار مخاوف جميع الأطراف وتوفر ضمانات حقيقية لأمنها.
وتتمحور الجهود المصرية فى هذا الإطار حول تحقيق توازن دقيق بين حماية دول الخليج من التهديدات الإيرانية، وضمان عدم تعرض إيران نفسها لتدمير شامل يقوض استقرارها الداخلى ويدفع المنطقة إلى مزيد من الفوضى. فمصر ترى أن إضعاف الدول أو انهيارها لا يخدم الأمن الإقليمي، بل يؤدى إلى فراغات تستغلها قوى غير دولية وتزيد من تعقيد المشهد. ولذلك، فإن الحفاظ على استقرار إيران، إلى جانب كبح سياساتها العدائية، يمثل جزءًا من معادلة أوسع تهدف إلى إعادة التوازن إلى المنطقة.
كما تسعى القاهرة إلى توظيف علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف من أجل الدفع نحو مسارات تفاوضية تركز على خفض التصعيد وبناء الثقة. وتشمل هذه المسارات البحث فى ترتيبات أمنية إقليمية تضمن عدم الاعتداء واحترام السيادة، إلى جانب معالجة الملفات الخلافية عبر آليات دبلوماسية وقانونية. وفى هذا السياق، يمكن لمصر أن تلعب دورًا محوريًا فى بلورة مبادرات إقليمية تستند إلى مبادئ القانون الدولى وتلقى قبولًا من مختلف الأطراف.
ولا ينفصل هذا الدور عن موقف مصرى واضح تجاه السياسات الإسرائيلية فى المنطقة، حيث ترى القاهرة أن استمرار إسرائيل فى نهجها القائم على استخدام القوة وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية يفاقم حالة عدم الاستقرار ويقوض فرص السلام. ومن هنا، فإن التحرك المصرى لا يقتصر على احتواء الصراع بين إيران ودول الخليج أو بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل يمتد أيضًا إلى محاولة كبح جماح السياسات الإسرائيلية التى تسهم فى تأجيج التوترات الإقليمية.
• • •
إن الرؤية المصرية الشاملة تقوم على أن تحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط يتطلب معالجة جذرية لمصادر التوتر، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات بشكل مؤقت. وهذا يستدعي، من وجهة نظر القاهرة، تبنى مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية، وتعمل على بناء نظام إقليمى قائم على التعاون بدلًا من الصراع. وفى هذا الإطار، فإن تعزيز التضامن العربي، وخاصة مع دول الخليج، يمثل ركيزة أساسية لأى جهد يهدف إلى إعادة التوازن إلى المنطقة.
وفى التحليل الأخير، يمكن القول إن الدور المصرى فى هذه اللحظة الدقيقة يعكس محاولة جادة لتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية تهدد مستقبل الشرق الأوسط. فالقاهرة، برفضها للاعتداءات الإيرانية وتضامنها الكامل مع دول الخليج، وبمعارضتها فى الوقت ذاته للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تقدم نموذجًا لموقف متوازن يستند إلى مبادئ القانون الدولى ويضع مصالح الشعوب فوق حسابات القوة. ومن خلال سعيها إلى الوساطة والدفع نحو الحلول التفاوضية، تحاول مصر أن تفتح نافذة أمل فى مشهد إقليمى يزداد تعقيدًا، وأن تؤكد أن البديل عن الحروب هو دائمًا الحوار، وأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مسارات سياسية شاملة تضمن الأمن والكرامة لجميع شعوب المنطقة.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى