تبحث عن التفاصيل تتوه فى عزلتك أحيانًا ليس لأنك تختلف ربما فى الرأى أو حتى فى اللغة واختيار المفردات والمناسبات وتطول القائمة فتقف لتقول أو يقولون «ربما كبرنا ولم نعد ننفع لهذا الزمن». ويقول آخرون «أنت لسه فاكر أن هناك قيما ومبادئ» وأن القيمة كما تقول كثير من أمثالنا العربية فى المضمون وليس المظهر؟ تقف حائرًا وأنت تراقب جيلًا جديدًا يكبر فى ظل التيه أو ربما زمن العتمة التى لم نتصورها ونحن نشاهد أفلام الخيال العلمى منذ أكثر من أربعين عامًا. حينها كان الانبهار بكل ما تقوم به هوليوود قد أعمى العيون أو رسم صورة للدنيا، الأرض والسماء وما بينهما كما لا نعرفها أو حتى نتصورها. كثير من أجيالنا لولا بعض الاحتكاك والقراءة وربما المعلمون الحق، لكنا قد سقطنا فى متاهات الانبهار بما توزعه هوليوود حتى أحيانًا للدول الفقيرة دون مقابل.
• • •
تطاردك أشباح تطرح الأسئلة أو تواجهك بواقع قد لا تصبو إليه أو ربما لا يشبهك أو حتى لا تريد أن تكون جزءًا منه. حصار هو ربما ليس سياسيًا، أو ثقافيًا، أو بصريًا، أو فنيًا، أو معماريًا، أو حضاريًا، أو حتى فى تحريف السرديات، بل هو يصل حتى ليكون حصارًا اجتماعيًا يبدو فيه أن تكون موجودًا أو تتحول إلى مخلوق غير مرئى، حتى لو كنت تقف أمام جمع منهم بكامل زيك وعدتك المظهرية!!! فأنت لا شىء دون بعض مظاهر تحمل أحرف أو أسماء أو أنماط، يعنى «براندز»!!!
• • •
تتصارع الأسئلة فى الرءوس وبين بعضها البعض فهل تقاوم فى السياسة والثقافة والحياة ونمط النمو لا التنمية أو الإعمار كما يحبون أن يطلقوا عليه رغم أنه أقرب إلى الدمار لا الإعمار، وأيضًا أن تقاوم فى الحب، أم تتأقلم أو هو بالأصح تمتثل أو ربما تنصاع وتسير مع «الحشد».. كيف تواجه حرياتك فى التفكير والانفتاح والحب بطريقتك وحتى لبسك اليومى.
• • •
صور وقوالب جاهزة تحاصرك كل يوم فى الشكل والمضمون فى الفكر والموقف فى المبدأ والانجرار خلف الجمع ألم يكتب محمود درويش «أكبر تنازل تقدمه فى حياتك هو أن تتأقلم». تستغرب لأنك فى كل مرحلة يواجهونك ببعض ملاحظاتك على بعض التغيرات أو نقدك لممارسات أو مواقف بالقول والنصح «تأقلم».!!!
• • •
تلاحقنا النصائح من كل اتجاه: تأقلم مع الوضع العام، اندمج، لا تكثر من الأسئلة، لا تُتعب نفسك بمقاومة ما يبدو أنه أصبح «طبيعيًا». تأقلم اجتماعيًا مع ما يفرضه الجمع، سياسيًا مع ما يفرضه الواقع، ثقافيًا مع ما يُسوَّق باعتباره الحداثة، بصريًا ومعماريًا وفنيًا مع ما يُعاد إنتاجه والخروج عنه نوعًا من الشذوذ. وكأن المطلوب منا أن نذوب فى المشهد لا أن نتأمله أو نراجعه.
• • •
حتى الأمثلة كانت توجه باتجاه أو تفسر على أن التأقلم هو الحل وهو الأمثل لحياة مريحة «سالمة وسالمة»!! ألا يقول المثل «الحشد مع الناس عيد» وكأن السلامة هى فى الاندماج وأن الطمأنينة فى أن لا نختلف أو نطرح الأسئلة. وأن تتنازل عن هويتك الخاصة جدًا، عن شخصك، عن تفاصيلك الصغيرة التى تشكلك، عن حقك فى أن تقول نعم أو لا وعن كل ذلك الذى يسمى عيد مع الحشد فيما هو ربما تآكل بطىء للذات حين تبدأ الحكاية بتنازل صغير، يبدو عابرًا، أو غير مؤذٍ، ثم يتحول مع الوقت إلى اعتياد فتعتاد أن تصمت وأن تشبه الجمع أو الحشد!!
كاتبة بحرينية