عن «الزنانة» وأدوات توحشهم - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 31 مايو 2026 8:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

عن «الزنانة» وأدوات توحشهم

نشر فى : الأحد 31 مايو 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الأحد 31 مايو 2026 - 7:15 م

 

زنّ... زنّ... زنّ... هنا فى عاصمة العواصم، يبقى هذا الصوت هو الأقوى، رغم صوت العصافير وهديل الحمام، ورغم كل ما تحاوله المدينة من مظاهر الحياة لتثبت أنها ما زالت حيّة تنبض. صار الطنين أشبه بستارة صوتية ثقيلة تمتد فوق البيوت والشرفات والطرقات، وترافق الناس فى يومهم العادى؛ تشرب قهوة الصباح والزنانة معك، وكأنها تجلس فوق رأسك، وتخرج لتقضى بعض الحاجات فتجدها وكأنها تتابعك، معك هنا من الحمرا إلى الأشرفية مرورًا بالأسواق وكل بيروت. وحدها الزنانة لا تفرق بين اللبنانيين ولا تقسمهم كما قسمتْهم حربهم الأهلية إلى بيروت شرقية وغربية. أتذكر تجربتى فى تغطية الحرب فى العام 1984، وكيف كانت خطوط التماس تقسم المقسم فيما يطارد الجار جاره!!!

• • •

أما فى الجنوب، فالصوت ليس للزنّانة وحدها، بل لإيقاع أثقل وأشد قسوة: طمّ... طمّ... ورصاص، وقصف، وطيران يخترق حواجز الصوت كما لو أنه يكسر أيضًا ما تبقى من أعراف وحدود. هناك، لا يعود الضجيج مجرد خلفية، بل هو اللحظة بين الحياة والموت.. بين أن تخرج من بيتك لتحضر ربطة الخبز أو تبقى مع أهلك وتموتوا جميعًا؟

• • •

ولا يحتاج المرء إلى كثير من الشرح ليفهم ما الذى يحدث فى الجنوب، على مسافة قصيرة من العاصمة، وعلى تماسٍ دائم مع جغرافيا مفتوحة على الوجع. هناك، يتقاسم اللبنانى والغزّى والفلسطينى ألمًا يكاد يتشابه فى ملامحه وتفاصيله: فقدان الأحبّة، والنزوح بأجساد لا يسترها أحيانًا سوى بعض القماش، أو بأقدام حافية تركض هربًا من الموت. فى تلك اللحظات، لا يعود الألم خبرًا يُروى، بل تجربة عارية من كل شىء إلا من الخسارة. البيوت تُهدم فوق رءوس أصحابها، أما المسعفون فهم الآخرون أهداف لصواريخهم وتوحشهم، وبالطبع يتساوى معهم الصحفيون حتى لا ينقذ أحد من يمكن إنقاذه، ولا يبقى شاهد على الوحشية، رغم أنها على شاشات التلفزة ووسائل التواصل السريعة!!

• • •

فى وسط الحمرا، وعلى مسرح متواضع، وقفت مجموعة من أطفال غزة ولبنان تروى قصص الوجع المتساوى، ليهتف أحد الصبية بيده المبتورة بسبب الحرب، ومعه ذاك الطفل الصغير على كرسيه المتحرك، والذى جاء من غزة بعد أن أُصيب بشلل كامل بسبب استهدافهم للأطفال. يهتف الصبية والفتيات: «من بحر غزة لبحر صور»، ويرددون حكايات الوجع والأمل الذى لا نعرفه نحن المترفون فى مقاعد المتفرجين!!

• • •

عايدة، الطبيبة القادمة من بنت جبيل، كانت تحبس كثيرًا من الدمع الساخن وهى تقول: «لم أستطع أن أُلملم بعض ما كنت أتمنى، رغم أنها ليست تجربتنا الأولى. فقدتُ بيتى وكل ما أملك، وأهمه عيادتى وأساور أمى التى ورثتها عن جدتها الكبرى، فى حرب 2006». ثم سكتت. لم تكن بحاجة إلى أن تُكمل. كان صمتها أبلغ من بقية الرواية، وهى ليست وحدها. اسمعوا أصوات نساء الجنوب ونساء غزة كما سمعنا أصوات الأطفال، بل إن الكثير والكثير يُحكى مع دمعٍ نشف من كثرة البكاء.

• • •

هم جميعًا فى امتحان صعب لقدرتهم على الحياة، ومع ذلك يبقى إصرارهم على الاستمرار شكلًا من أشكال المقاومة الإنسانية الصامتة: أن يربّوا أبناءهم، وأن يفتحوا نوافذهم، وأن يلعبوا الورق أمام بيوتهم مع فنجان قهوة، وأن يزرعوا الزعتر أمام منزلهم الصغير فى بلدتهم المطلة على ذاك السهل الذى دمرت الوحشية كل خضاره فيه.

كاتبة بحرينية

 

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات