«الشوف غير السمع» - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 28 يونيو 2026 8:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


«الشوف غير السمع»

نشر فى : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:05 م

تبدأ الأيام كسولة، إلا ذاك اليوم؛ فقد دفعنى حماس ممزوج بالترقب إلى القفز سريعًا خارج البرمجة المعتادة لأيام تسترخى فى حضن الأخبار الآتية من جبهات شتى، معظمها محمّل بما لا يسر القلب ولا العقل. كنت أعرف أننى لن أستطيع أن أسلك الطريق المعهود جنوبًا إلى جنوب الجنوب؛ فقد عملوا على إغلاق الطرقات، والمزيد من القصف والدمار، رغم أنهم أعلنوا ما يسمى «هدنة». فكل الطرق «غير سالكة وغير آمنة»، كما كان يردد ذاك المذيع أيام الحرب الأهلية، وما قبلها وما بعدها من حروب واشتباكات مرت على هذه الأرض المعجونة بملحها وزيتونها وزهرة الغاردينيا.
• • •
تسير بك الطرق المتعرجة فوق جبال لبنان فى طريق البقاع، مارّةً بكثير من البلدات والمصايف التاريخية التى لم تستطع، رغم كل المحاولات، أن تحافظ على ذاك البريق الذى عرفته أيام زحمة الاصطياف، إذ سرقت منها كثير من المدن الساحلية شيئًا من وهجها القديم. قبل الحدود السورية - اللبنانية تأخذ المنعطف، وتكون قد بدأت سيرك نحو الجنوب. الطرقات فى معظمها كانت فارغة إلا من بعض السيارات التى تحمل المراسلين الصحفيين الذين أصبحوا هدفًا لماكينة الدمار والقتل الصهيونية، وعربات أخرى ربما لمن ينقل بعض المساعدات لأولئك الذين بقوا فى بلداتهم رغم القصف والدمار.
• • •
الطريق، بشكل عام، قبل الوصول إلى الجنوب بقليل، تبدو وكأن أهلها اعتادوا مقاومة الموت بمزيد من الحياة. نقترب من جنوب الجنوب، فتبرز لافتة على حافة الطريق تشير إلى الكيلومترات المتبقية على القدس. تذكرك بما سمعته وقرأته عن الحافلات والقطارات التى كانت تربط كل هذه المدن بفلسطين وعاصمتها.
• • •
تبدأ مشاهد الدمار فى البروز بين انحناءات الطرق التى دمرتها دباباتهم وعربات المشاة، وبقيت شاهدة على عقيدة مترسخة لدى الصهاينة يشهد تاريخهم عليها، وهى الدمار والخراب. هنا كان منزل بشبابيك تطل على حديقة مليئة بالحبق والزهر والنعناع. وهناك بقايا دكان، وبقربها ما يبدو أنه كان كراجًا لتصليح العربات، أمامه بضع سيارات تفحمت بالكامل، وبقيت الهياكل شاهدة أخرى على المذابح والمجازر والدمار.
• • •
تسبقنى دقات قلبى وأنا أقترب أكثر من دبين الملاصقة لجديدة مرجعيون، التى شهدت دمارًا هائلًا وموجة واسعة من القصف والغارات الجوية العنيفة وتفجير المنازل، حتى بعد أن رحل عنها أهلها مؤقتًا تفاديًا للموت الذى يطاردهم منذ أن زُرع ذاك الكيان عند خاصرتهم. بدا المشهد مرعبًا حد الوجع، فـ«الشوف غير السمع»، كما يقول أهلنا فى لبنان والمشرق، وهو بالفعل كذلك. فرغم أن صور دبين وكل بلدات وضيَع الجنوب لم تفارق شاشاتنا ووسائل التواصل، إلا أن رؤية هذا الدمار بالعين تجعل القلب يرجف، وتضيق المسافات حتى تتلاشى لكل من يردد أنها حرب؛ بل هى ليست كذلك، فهى عدوان من قبل جيش على شعب الجنوب الذى بقى يعانى، كما أهل فلسطين، من عقيدة الموت الصهيونية نفسها.
• • •
لا مجال للتصوير، فقط لتخزين الصور فى الذاكرة سريعًا. أعرف أن علىّ أن أسرع فى قيادة العربة حتى لا تلتقطنى إحدى مسيّراتهم أو كاميراتهم أو طائراتهم؛ كلها هنا قد استباحت السماء كلها، وليس فقط فى الجنوب. بحثت عن أسطح القرميد التى كنت أراها من فوق سهل الخيام، والتى تبرز من بينها الأشجار الباسقة. بحثت عنها طويلًا بعينين ملؤهما الشوق ومحاولة إيجاد ما بقى منها. لا شيء؛ لا أسطح للقرميد ولا بيوت بقيت. بدت الخيام كلها ركامًا من حجر فوق حجر، على أرض طاهرة. إلا الأشجار بقيت واقفة، ربما لتكون شاهدة على كل هذا الدمار.
• • •
قالت لى تلك الجنوبية: «إنهم عادوا، وعادوا فقط ليدمروا ما تبقى، ليس لأن هناك أحدًا فيها». نعرف أن كل رواياتهم كاذبة، لكن العين تدرك ما تعجز الصور والشهادات المتناثرة عن نقله كاملًا. تستدعى المشاهد الكثير من الروايات التى نسمعها كل يوم من أهلنا فى الجنوب. يروى بعضهم أنهم عادوا للبحث عن بيوتهم فلم يتعرفوا إليها؛ فقد تعانقت الحجارة، وحملت معها الذكريات والضحكات والأحاديث والهمسات المسائية بين لعب الورق وكئوس الشاى.
• • •
يقول أحدهم: «لم أعرف بيتنا فى النبطية، كما أصدقائى فى بنت جبيل. أصبحنا كلنا غزة». وقد نجد صعوبة فى العودة وإعادة الإعمار قبل أن نقوم بمسح جديد لنفرق بين البيوت وحدودها، كما نتعرف إلى الجثث التى بقيت أيامًا تحت الأنقاض، وهم يصطادون كل مسعف يحاول أن ينقذ من بقى منهم ببعض نفس. وذاك المحامى، من تلك الضيعة الصغيرة فى ركن من أركان الجنوب، تدمع عيناه وهو يسرد كيف أن بيت العائلة المبنى من الحجر على الطريقة العربية العريقة منذ أكثر من مئة وثمانين عامًا بقى صامدًا طوال الحرب، إلى أن أعلنوا الهدنة، فجاءت، كما يقول، طائرة بدت وكأنها أُرسلت خصيصًا لتسويته بالأرض. يتوقف قليلًا عن الوصف، وعيونه مغرقة بالدمع.
• • •
قصص الجنوب المدمر بعقيدة الكراهية والحقد كثيرة، وتحتاج إلى ورق وورق، بل ربما إلى سنين لتُروى بدمعها ودمها ووجعها. لكن يبقى أن «الشوف غير السمع» حقًا؛ فما تلتقطه العين فى لحظة، تعجز الكلمات عن حمله كاملًا.

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات