كان الاتصال بعد التاسعة مساءً يُعد، حتى وقت قريب، قلة احترام لخصوصية المساءات، أو كما كنا نصفها ببساطة: «قلة ذوق». أما اليوم، فقد أصبح الصمت بعد التاسعة هو ما يثير القلق، وأصبحت الرسائل المتأخرة، أو تلك التى تصل مع أول خيط للفجر، طقسًا يوميًا للاطمئنان على من نحب. تغيرت تفاصيل حياتنا كما تغيرت مفرداتنا، حتى بات السؤال الأول فى بداية كل يوم: «هل أنتم بخير؟»
• • •
يرحل الليل أسرع من النهارات فى مدننا المتوزعة بين أحزمة الفقر والبؤس والدمار، أو تلك المهددة بالحرب، أو المغطاة بسحابة ثقيلة من القلق. يطلع النهار بضوء يكسر عتمة ليلة كاملة من التوجس، سواء بفعل ما يدور حولك، أو بفعل تتابع القصف هنا وهناك، حتى بدا وكأنه توزع على بلداتنا وأحيائنا، حتى وصل إلى كل بيت.
• • •
تسألك صديقتك: «ما الذى أيقظك فى هذه الساعة؟» فتجيبينها بما يشبه اعترافًا جماعيًا: «وهل عاد هناك نوم عميق؟».. فعندما توزع الوجع على بقاع الأرض الشاسعة، وبقيت غزة وجنوب لبنان يئنان حتى بعدما قيل إن الهدنة قد بدأت، جاء صوت ذاك الغزى القابع فى خيمته ليختصر المشهد كله: «أى هدنة هذه؟ وعن ماذا تتحدثون؟ لا تصدقوهم».
• • •
يتحسس عليك أصحابك وأصدقاؤك الموزعون على بقاع الأرض، طلبًا للرزق، أو ظنًا منهم أن الابتعاد قد يبعد الشياطين عن تفاصيل أيامهم. لكنهم اكتشفوا أن الشياطين لا تعترف بالجغرافيا، وأنها قادرة على ملاحقتهم أينما ذهبوا، بل وعلى التسلل إلى عقول بعض أقرب الناس إليهم، فتغدو أيامهم كوابيس معلقة بين نشرات الأخبار والاتصالات المتأخرة، وحتى اللحظات القليلة التى يحاولون فيها سرقة شىء من الراحة.
• • •
من أين تبدأ مراسلاتك اليومية؟ وكيف؟ بالسؤال ذاته: «كونوا بخير.. سمعنا أخبار آخر الليل وأول النهار عندكم». وربما تتبعها بالقول: «عندنا وعندكم خير!» فى شىء من سخرية الواقع المؤلم. وكأن هذه العبارة البسيطة أصبحت صلاة يومية نتبادلها جميعًا. ولعل بعضنا تعلم، عبر سنوات طويلة من الاقتراب من ذلك الكيان، كيف يسرق الضوء من قلب العتمة، وكيف يتمسك بالحياة كلما اشتد سواد الليل وحاصره أو حاولت شياطينهم.
• • •
يطاردك القلق على من تحب، وتعرف أنهم بدورهم قلقون عليك. ولم تعد التفاصيل مهمة، لأن كل شىء يبدو مترابطًا بمشروع أكبر، تلوح ملامحه بين خطاب سياسى، أو خريطة تُرفع أمام العالم، أو تهديد جديد يضاف إلى سجل طويل من التهديدات. وكأن الرسالة واحدة: عيشوا فى انتظار الكارثة. وربما كان أخطر ما نجحوا فى ترسيخه هو أن يصبح القلق رفيقًا دائمًا للإنسان منذ طفولته. حتى فى لغتنا اليومية، وفى كثير مما نردده، يتقدم الخوف فنردد: «خاف ربك» أكثر من قولنا: «حب الله»!!
• • •
يرافقك هذا القلق، ليس خوفًا على نفسك، بل على من تحب، وعلى هذه الأرض التى كبرت وأنت تؤمن بأنها وطنك الأوسع، الممتد أبعد من حدود جواز السفر، وأكبر من خرائط السياسة. وليس لأننا شعوب اعتادت الخوف، أو قبلت به قدرًا، بل لأننا دفعنا، وما زلنا ندفع، أثمانًا باهظة لكل حرب، ولكل مشروع هيمنة، حتى صار القلق ضيفًا دائمًا على تفاصيل أيامنا.
• • •
ورغم كل محاولاتهم فى توزيع الرعب، ورغم مشاريعهم الواسعة التى يتسرب بعضها من أدراجهم المغلقة بإحكام، ربما عن قصد لنشر مزيد من الهلع، أو ربما لأن ضميرًا لم يمت بعد قرر أن يكشف شيئًا من الحقيقة، يبقى فى داخل كل واحد منا متسع لم تطله خرائطهم بعد. مساحة صغيرة لا تقاس بالجغرافيا، ولا بموازين القوة، بل بما بقى فى القلب من إيمان بالحق والعدالة، خاصة لأصحاب الحق، وبما يحتفظ به الوجدان من قدرة على النهوض كلما ظنوا أنهم أحكموا القبضة.
• • •
ولعل أكثر ما يربك صناع الرعب أنهم لا يدركون أن الأمل، مثل الخوف، ينتشر أيضًا. ففى كل بيت يفتح بابه لنازح، وفى كل رسالة تبدأ بـ«طمئنونا عنكم»، وفى كل أم تؤجل دمعتها حتى لا يراها أطفالها، وفى كل يد تمتد إلى محتاج، وفى كل من يصر على الحياة رغم كل ما يحدث، يولد ضوء جديد. قد لا يوقف حربًا، ولا يمنع صاروخًا، لكنه يحفظ فى داخلنا ما يريدون انتزاعه منا: الأمل بأن القادم لن يكون كما يريدون هم، أو كما يخططون، وأن التاريخ علمنا الكثير عن الانتصارات القادمة من تحت الدمار.
ومع كل خيط للفجر، ندرك أن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يحتكر السماء.
كما قال زياد الرحبانى: «إيه فى أمل…».
كاتبة بحرينية