أنا أملك.. أنا أستعرض.. إذن أنا موجود!! - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 23 أغسطس 2026 7:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

أنا أملك.. أنا أستعرض.. إذن أنا موجود!!

نشر فى : الأحد 23 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأحد 23 أغسطس 2026 - 6:55 م

ربما لم يحدث فى زمن سابق أن أصبح الاستهلاك بهذا القدر مرادفًا للوجود. لم تعد المسألة: ماذا أحتاج؟ بل ماذا أملك؟ والأهم: هل رأى الآخرون ما أملك؟ كأن مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» قد تحوّلت فى زمننا هذا إلى: «أنا أملك، إذن أنا موجود»، أو ربما: «أنا أملك أو أستعرض ما أملك، إذن أنا مرئى وحاضر وفى الإطار أو الصورة العامة ولست على هوامشها أو حوافها، أو حتى خارج الصورة كما هو حال كثيرين؛ بل ملايين من شعوبنا العربية اليوم»، فالكم الأكبر هو خارج الصورة.

• • •

ربما هو البحر الذى فضحهم أو فضحنا، أو هو الصيف الذى كشف أن هناك ساحلًا شريرًا وآخر طيبًا فى كل مدينة وبلد عربى، ويطاردهم حتى فى رحلاتهم الصيفية الفاخرة!

من الساحل الشمالى إلى فقرا ومهرجاناتها وحياة كفرذبيان، وصولًا إلى شواطئ الريفييرا الفرنسية أو ماربيا الإسبانية، أو الشواطئ الإيطالية، يبرز العربى والعربية كمستهلكَين أو استعراضيين أكثر من أى أمر آخر. يعرفهم ويراهم ويتابعهم الملايين لشدة المظاهر والبذخ والرفاهية والتباهى والاستهلاك أيضًا.

• • •

بالطبع، ليس كل من فى الساحل أو فقرا، ولا كل أهل الخليج فى فرنسا وإسبانيا وغيرها، هناك من أجل المظاهر والاستهلاك؛ فهم هاربون من قيظ مدنهم، سواء كانت القاهرة، أو بيروت، أو الكويت، أو المنامة، أو الرياض، أو الدوحة، أو دبى، أو غيرها. كلهم هاربون من صيف حار ورطب، وهذا حقهم كما يفعل الأوروبيون فى الصيف، حتى إن المدن والعواصم تُهجر فى شهر أغسطس، أو كما يسميه أهل بلاد الشام «آب اللَهّاب».

• • •

لكن الأوروبى يهرب غالبًا بما خفّ حمله ليطفئ لهيب صيفه فى مياه المتوسط. فالمشترك بين كل هذه المنتجعات ربما هو البحر نفسه؛ من فرنسا مرورًا بإسبانيا إلى الساحل الذى قُسّم إلى «شرير» و«طيب». وفى كل هذه المنتجعات شرير وطيب كما فى الحياة أيضًا، فى الوقت الذى يقف فيه الشر ليناطح القوانين الدولية والإنسانية ويرمى بها فى سلة المهملات، ويقول للمحكمة الدولية وقضاتها: «اذهبوا إلى الجحيم، لا مكان لتشريعاتكم ومبادئكم».

• • •

يبقى السؤال لمن عاشوا الساحل وجبال لبنان وشواطئ أوروبا الساحرة: ما الذى حدث لبساطة الصيف وبراءته وضحكته؟ كيف تحوّل إلى مظهر آخر من أنماط الاستهلاك والاستعراضات اليومية التى تبدأ من اليخوت والقصور والفلل الفاخرة، وصولًا إلى الملابس والمجوهرات؟ نعم، هناك مجوهرات للبحر أيضًا!

• • •

ولعل ما نراه اليوم ليس جديدًا تمامًا على الفكر الإنساني؛ فقد سأل إريك فروم فى كتابه «أن تملك أو أن تكون؟»: إن كان الإنسان سيعرّف نفسه بما هو عليه أم بما يملكه؟ وكتب غى ديبور عن «مجتمع الاستعراض»؛ حيث تتحول الحياة إلى صور ويصبح عرض التجربة أهم أحيانًا من عيشها. أما زيجمونت باومان، فرأى فى المجتمع الاستهلاكى ما هو أبعد: ليس المطلوب أن نستهلك السلع فقط، بل أن نعرض أنفسنا أيضًا كأننا سلع تحتاج باستمرار إلى التسويق والقبول.. وكأن وسائل التواصل جاءت لتمنح تلك الأفكار مسرحها الأكبر.

• • •

هكذا تتحول التجارب الإنسانية إلى جزء من نظام عالمى استولى على المال والعمل والزمن، وحتى العلاقات الإنسانية فى أماكن وعلاقات تبدو شخصية وعائلية، وفجأة تصبح ــ بفعل تراكم ثقافة تنهش الإنسانية فى كل تفاصيلها ــ جزءًا من الاستعراض.

• • •

وحين يردد عليك أبناؤك أو من هم أصغر منك سنًا (أى جيل الاستهلاك وثقافته، إن كان فى ذلك ما يستحق أن يسمى ثقافة) بصوت ملىء بالثقة: «هذه حياتى، وهكذا أريد أن أعيشها، وهذا حقي، فأنا حر"، تنفتح فجأة صناديق الذاكرة المنسية لتلك الرواية التى أدمَنَها الكثيرون ــ وخاصة من الفتيات حينها ــ وهى «أنا حرة» للأديب إحسان عبد القدوس، وقد تبنّتها كثير من النساء المتمردات فى مرحلة صرامة العادات والتقاليد، ولكنها تطرح الحرية على أنها مسئولية، وليست تمردًا على العائلة والعادات فحسب.

• • •

ويبدو أن جيل الإنترنت ــ الذى بالطبع لم يقرأ هذه الرواية، وربما لا غيرها من ذلك الأدب العريق ــ فهم الحرية بشكل معكوس؛ فتحول إلى عبد لوسائل التواصل والصور والأنماط بدلاً من التقاليد والعادات، فيما يتصور أنه بذلك أصبح حرًا طليقًا!

فهل تغير مفهوم الحرية.. أم تغير فقط شكل العبودية؟

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات