فى مصرَ، لا تتشابَه الساعاتُ...
كُلُّ دقيقةٍ ذكرى تجدِّدُها طيورُ النيل.
كُنْتُ هناك. كان الكائنُ البشرى يبتكرُ
الإله/ الشمسَ. لا أحَدٌ يُسَمِّى نفسَهُ
أَحدا. «أنا اُبنُ النيل – هذا الاسم
يكفينى»..
هكذا تحدث شاعر فلسطين الأشهر محمود درويش عن مصر التى كانت أول دولة يزورها حين خرج من فلسطين فى فبراير عام 1971، عاش درويش فى مصر نحو عامين قبل أن ينتقل للإقامة فى بيروت.
نحو عامين عمل خلالهما محمود درويش فى إذاعة صوت العرب بتوجيه مباشر من وزير الإعلام آنذاك محمد فايق، ثم انتقل للعمل بصحيفة الأهرام بقرار من الأستاذ محمد حسنين هيكل.
فى حياتى لم ألتق محمود درويش سوى مرتين، الأولى فى معرض الكتاب عام 2006، حين كان أحد ضيوف شرف المعرض، والثانية بعدها فى دار الأوبرا حين عرفنى عليه الزميل والصديق نبيل درويش مدير مكتب إذاعة مونت كارلو الأسبق.
وأنا أحب محمود درويش، أحبه فى كل حالاته الشعرية، وتجاربه الإنسانية، ومحطاته النضالية، أقول: أحبه حتى لو اختلفت مع قليل أو كثير من مواقفه، أحبه كما أُحب فلسطين، الأرض والثورة، والحلم الذى ما زال عصيا على التحقق
كنت فى صباى مغرما بكل ما أبدعه شعراء فلسطين، لكن بقي محمود درويش الأقرب إلى قلبى فى سنوات تشكيل الوعى وصياغة الوجدان.
أما فنان الكاريكاتير الأهم فى تاريخ فلسطين «ناجى العلى» فكان رفيق تلك السنوات ، فهو صاحب الريشة الجامحة التى لا تجامل ولا تهادن، هو الشهيد الذى تفرق دمه بين القبائل، حتى لو استقر فى وجدانى أن «إسرائيل» هى من خطط ودبر لعملية اغتياله.
فى كل مرة يضرب الحزن أعماقى على الأحوال فى فلسطين، أبحث عن ديوان محمود درويش، فاقرأ ما تيسر من الشعر:
أنا مثلهم لا شىء يعجبنى، ولكنى تعبت من السفر.
أو أهرب إلى رسومات ناجى العلى ألتمس فيها الأنس من وحشة الخلافات والصراعات التى أحاطت بمسيرة الثورة الفلسطينية حتى أدمت قلوب أبنائها: «من رأى منكم أحدا يثق بإسرائيل وأمريكا فليقاومه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فبهذا، وهذا أضعف الإيمان»..
فى عام 1986 أى قبل اغتيال ناجى العلى فى لندن بنحو عام ، دعا محمود درويش إلى لقاء بين الأدباء العرب والإسرائيليين، وهو ما أثار غضب ناجى العلى، فأشهر ريشته فى وجه من كان يعتبره صوت فلسطين وثورتها ليرسم «محمود خيبتنا الأخيرة» مستعيرا تعبير محمود درويش نفسه: «بيروت خيمتنا الأخيرة».
لم يكن محمود درويش ليقبل تلك الإهانة التى لا تغتفر حتى لو جاءت من فنان يحبه ومناضل يحترمه مثل ناجى العلى، فاتصل بناجى العلى يعاتبه ، لكن الحوار بين درويش والعلى سار فى اتجاه لم يتوقعه درويش، ووصل الأمر إلى حد أن هدد درويش ناجى العلى بالطرد من لندن ، ليرد ناجى العلى ساخرا: «على كل حال إنتو يا عمى السلطة وعملتوها من قبل وأخرجتونى من الكويت، وصديقك ياسر عرفات هددنى بأن يضع أصابعى فى الأسيد إذا لم أسكت، وما عادت فارقة معى يا محمود، هالخد صار معوَد عالطم»..
هذا الخلاف بين المبدعين المناضلين ترك غصة فى حلق محمود درويش، خاصة بعد أن حاول البعض الربط بين اغتيال ناجى العلى وبين خلافه مع محمود درويش، وياسر عرفات طبعا. ليكتب محمود درويش فى رثاء ناجى العلى: «حين استشهد ناجى العلى سقطت من قلبى أوراق الأغانى لتسكنه العتمة، والاختناق فى الحواس كلها».
وجدتنى أستعيد قصة الخلاف بين درويش والعلى، وأنا أتابع ما تشهده الساحة الفلسطينية فى هذه الآونة من مناقشات واجتماعات وتحالفات سياسية، على وقع الدعوة للانتخابات التشريعية والرئاسية التى أطلقها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس.
بالطبع لم يعد الاختلاف الذى كان يمثله الرجلان قائما الآن، فالأوضاع ازدادت سوءً، والخلافات بين الفصائل الفلسطينية اتخذت مسارات متنوعة، انحرفت بسببها البوصلة الوطنية، لكننى أعتقد أن ما كتبه «درويش» فى رثاء «العلى» يبقى صالحا ليكون عنوانا لتلك المرحلة: حياتنا صارت مفتوحة للاستباحة المطلقة، ولأن فى وسع الأعداء أن يديروا حوار الخلاف بيننا إلى الحدود التى يريدونها ليعطوا للقتيل صورة القاتل التى يرسمونها وليتحول القتلة إلى مشاهدين».
فمتى يدرك قادة السلطة والفصائل الفلسطينية دون استثناء أن «الأعداء» هم من يديرون الخلافات بينهم، وأن المصلحة الوطنية أهم من المكاسب الفصائلية، وأن الفوز فى الانتخابات – هذا إن أجريت الانتخابات - ليس غنيمة تستحق الصراع من أجل الفوز بها، بل هى فرصة أفضل لخدمة الوطن والقضية، وهنا يتجلى دور مصر – دون سواها - الساعى منذ سنوات إلى تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية
وكما قال درويش:
مصرُ تجلسُ
خلسةً مَعَ نفسها: «لا شىء يشبهنى».