أيام على الزيبق.. وظهور المقاومة الشعبية - سمير عمر - بوابة الشروق
الإثنين 20 يوليه 2026 3:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

أيام على الزيبق.. وظهور المقاومة الشعبية

نشر فى : الأحد 19 يوليه 2026 - 9:00 م | آخر تحديث : الأحد 19 يوليه 2026 - 9:00 م

أكرم من حاتم ، هكذا كنت أحب أن أصفه، وأناديه مداعبا خجله الطفولى حين يتحدث أحدهم عن كرمه، إنه الأستاذ الفنان الجميل فاروق الفيشاوى.


 للأسف تأخرت معرفتى به لما بعد عام 2011، وإن التقيته قبلها عدة مرات دون أن تتطور علاقتنا على النحو الذى يمكننى من معرفته عن قرب، لعب الراحلان الشاعر الكبير سيد حجاب والأستاذ جورج إسحاق إلى جانب الدكتور حسن شرشر أطال الله عمره، دورا مهما فى تعرفى على الأستاذ فاروق الفيشاوى، وفى منزله المفتوح دائما للأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء، تحدثت معه كثيرا فاكتشفت أن إنسانيته تفوق موهبته رغم أهميتها، وأن ثقافته تتخطى حدود الأدوار التى أداها رغم روعتها. 


قبل لقائنا الأول بنحو ربع قرن عرض التليفزيون المصرى المسلسل الممتع «على الزيبق» من تأليف يسرى الجندى وأشعار عبد الرحمن الأبنودى، وبطولة فاروق الفيشاوى، الذى لعب دور «على الزيبق» ببراعة جعلتنى أتمنى أن لو كنت أنا «على الزيبق» أو على الأقل أحد رفاقه «الشُطَّار»، الذين أذاقوا - بحيلهم الذكية خفيفة الظل -  المماليك والعثمانيين ومن دار فى فلكهم المر، وأوقعوهم فى فخاخ المقاومة الشعبية ممتدة الحلقات.


وعلى الزيبق فى السيرة الشعبية هو المغامر الذكى صاحب الحيلة والمكر الذى تمكن من تنظيم مقاومة شعبية متعددة المستويات للانتقام من الفاسدين والظالمين الذين «قتلوا أباه» وأذاقوا المصريين ألوان الهوان والبطش والاستغلال.


 تبدأ أحداث المسلسل بمشهد تأسيسى ترسل فيه مقدم درك السلطنة العثمانية «جليلة» التى لعبت دورها الفنانة ليلى فوزى بخطاب إلى مقدم درك مصر «سنقر الكلبى» الذى أدى دوره الفنان أبو بكر عزت تستحثه على قتل «حسن رأس الغول» عدوهما المشترك ووالد على الزيبق، وتستمر الرواية الشعبية فى سرد الأحداث حيث يتمكن الثنائى «الكلبى وجليلة» من قتل حسن رأس الغول بالسم فى نهاية الحلقة الأولى، لتبدأ بعدها مسيرة الانتقام التى سيقودها على الزيبق ومن معه من أعوان أبيه ورفقائه «الشطار».


 فى أغنية المقدمة يستعرض عبد الرحمن الأبنودى بشعره الذكى وعلى أنغام إبراهيم رجب الشعبية، الخريطة الاجتماعية لمصر فى تلك الآونة – عهد الاحتلال العثمانى وسيطرة البكوات المماليك على البلاد – فينشد:  
قصر السلطان عالى البنيان / حجرة فضة وحجرة مرجان 
وأراضى تساع ألفين فدان اسمها بستان 
ثم يذهب إلى قصر الوالى فيقول: قصر الوالى طبعا عالى / مليان حتى لو الكون خالى / بدهب وفروز وكنوز ف كنوز 
ويختتم المشهد ببيوت الناس: وبيوت الناس / لا حيطان ولا ساس، ولا ليها لون ولا ليها مقاس/ وحيطانها طين وكلامها أنين 
ثم يبدأ فى سرد دور «على الزيبق» مخاطبا إياه: 
وفى وسط الضلمة تهل انت / ولا نعرف من فين أو إمتى 
ترفع بنيان الغلبان / وتطاطى بنيان الوالى / وترقص قصر السلطان 
حفظت أغنية المقدمة وكنت أرددها كثيرا على مسامع أصدقائى ونحن نسترجع أحداث حلقات المسلسل فى ساعات الصيام. 


غير أن أغنية النهاية كانت إلى نفسى أقرب خاصة مطلعها الذى يقول: حكموكى ما حكموكى / وبردو المصرى مصرى والمملوك مملوكى 


لم تظهر شخصية على الزيبق فى الذاكرة الشعبية من فراغ بل اعتمدت على وقائع حقيقية وإن تلونت بمرور الوقت بألوان سير الأبطال الشعبيين الطامحين فى رد المظالم ومواجهة الحكام الفاسدين، وقد كانت الحقبة التاريخية التى ظهر فيها على الزيبق وما سبقها وتلاها من أسوأ العقود التى عاشتها مصر والتى بدأت بسقوط مصر تحت الاحتلال العثمانى عام 1517، وحتى ظهور الدولة الحديثة فى عهد محمد على الذى قضى على سيطرة المماليك فى المذبحة الشهيرة عام 1811. 


فقد بدأت هذه الحقبة بأول عملية نهب منظم لثروات مصر والمصريين، حيث يقول ابن إياس فى كتابه تاريخ مصر «بدائع الزهور»: «إن السلطان سليم الأول خرج من مصر بعد أن أخضعها لملكه وقتل حاكمها «طومانباى» ومعه ألف جمل محملة من الذهب والفضة فضلا عن التحف والسلاح وأعمدة الرخام والصينى والنحاس، وأخذ من مصر من كل شىء أحسنه ، وذلك عدا ما غنمه وزراؤه من الأموال الجزيلة، وكذلك عسكره فإنهم غنموا من النهب ما لا يحصى وبَطُلَ من مصر نحو خمسين صنعة». 


«وجاء الولاة والحكام المماليك الذين تركت لهم إدارة البلاد فكان حكمهم آفة على الصناعة والتجارة، وكانت مصادرتهم لأموال التجار من أهم أسباب ركود الحركة التجارية، فاختفت رءوس الأموال من أيدى الأهالى وغلب عليهم الفقر». 


وكانت المظالم فى عهد سيطرة البكوات المماليك والولاة العثمانيين هى عنوان تلك الحقبة التى ظهرت فى أواخرها بوادر الحركة الوطنية والقومية  التى تشكلت نواتها الأولى فى مقاومة الحملة الفرنسية و ما تلاها بتولية محمد على حكم مصر.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات