الذكاء الاصطناعى يخفف أكبر صدمة طاقة منذ السبعينيات.. كيف دعم الاقتصاد العالمى؟ - قضايا اقتصادية - بوابة الشروق
الأحد 6 سبتمبر 2026 9:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

الذكاء الاصطناعى يخفف أكبر صدمة طاقة منذ السبعينيات.. كيف دعم الاقتصاد العالمى؟

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:45 م

منذ اندلاع الحرب على إيران فى 28 (فبراير) الماضى، واجه العالم واحدة من أعنف صدمات الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضى. وبينما انشغل الاقتصاديون بالبحث عن سبل التحوط من تداعيات الحرب وخطر عودة الركود التضخمى بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، وجد الاقتصاد العالمى دعمًا من مصدر غير تقليدى: طفرة تاريخية فى الإنفاق على الذكاء الاصطناعى.

هذه الموجة الهائلة من الاستثمارات أبقت قطاعات واسعة من الاستثمار والتجارة والأسواق فى حالة توسع، وساعدت على امتصاص جزء من الضربة التى وجهتها أسعار النفط والغاز إلى النمو العالمى.

ويقول الباحث الاقتصادى ومحلل أسواق المال سمير رءوف لـ«النهار»: إن صمود الاقتصاد العالمى، مدعومًا بالطلب الكثيف المرتبط بالذكاء الاصطناعى، لا يعنى أن تكلفة الأزمة اختفت، بل إنها أعيد توزيعها. فقد ازدهرت شركات الرقائق ومراكز البيانات والاقتصادات المصدرة للتكنولوجيا، فى مقابل تحمّل المستهلكين والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة العبء الأكبر.

جدار استثمارى فى مواجهة صدمة الطاقة

بدأت الصدمة مع اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى انخفاض التدفقات اليومية من النفط عالميًا بنحو 13%، ومن الغاز الطبيعى المسال بنحو 20%، وفق تصريحات للمديرة العامة لصندوق النقد الدولى كريستالينا غورغييفا نقلتها «رويترز».

وقفز خام برنت بنحو 64% خلال (مارس)، متجاوزًا مستوى 100 دولار للبرميل، ومسجلًا أكبر ارتفاع شهرى فى البيانات المتاحة منذ 1988.

نظريًا، كان من شأن قفزة بهذا الحجم أن تضغط بقوة على الاستهلاك والاستثمار، وتعيد شبح الركود التضخمى إلى الاقتصادات الكبرى. لكن ذلك تزامن مع استمرار شركات التكنولوجيا فى تنفيذ واحدة من أضخم دورات الإنفاق الرأسمالى فى التاريخ الحديث.

وتقدّر «إس آند بى غلوبال فيزيبل ألفا» إنفاق مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعى بنحو 635 مليار دولار فى 2026، مقارنة بـ383 مليار دولار فى 2025، ونحو 80 مليار دولار فقط فى 2019.

وتعكس التقديرات الأطول أجلًا حجم التحول الجارى. فشركة «ماكينزى» تتوقع حاجة مراكز البيانات عالميًا إلى استثمارات تراكمية تقارب 6.7 تريليون دولار حتى 2030، منها 5.2 تريليون لتلبية الطلب المرتبط بأحمال الذكاء الاصطناعى وحدها.

أما «غولدمان ساكس للأبحاث»، فيقدّر الإنفاق الرأسمالى لكبرى شركات الحوسبة السحابية بنحو 5.3 تريليون دولار بين 2025 و2030، فيما يصل تقديره الأوسع للاستثمارات المطلوبة فى قدرات الحوسبة ومراكز البيانات والطاقة إلى نحو 7.6 تريليون دولار بين 2026 و2031.

ويرى رءوف أن هذه الأموال لا تبقى داخل شركات التكنولوجيا، بل تتحول إلى طلب واسع على البناء والمعدات الكهربائية وأنظمة التبريد والتمويل والطاقة والخوادم وشبكات الاتصال، وهو ما ساعد جزئيًا فى تعويض تراجع الاستثمار فى قطاعات أكثر تضررًا من أزمة الطاقة.

 من وادى السيليكون إلى مصانع آسيا

الأثر لا يتوقف عند الاقتصاد الأمريكى. يشير رءوف إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعى تحولت تدريجيًا إلى دورة تصدير وتصنيع عالمية تشمل أشباه الموصلات والذاكرة والخوادم وأجهزة الحاسوب ومعدات الشبكات والبنية التحتية للطاقة.

وأظهرت بيانات (أغسطس) توسع النشاط الصناعى فى عدد من الاقتصادات الآسيوية، مدفوعًا بصورة أساسية بالطلب القوى على أشباه الموصلات والتجهيزات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، ما يعكس اتساع دائرة المستفيدين من الطفرة التكنولوجية إلى خارج الولايات المتحدة.

وتقدم كوريا الجنوبية المثال الأكثر وضوحًا. فقد ارتفعت صادراتها فى أغسطس 68.7% على أساس سنوى إلى أكثر من 98 مليار دولار، فيما قفزت صادرات أشباه الموصلات 209% إلى مستوى قياسى بلغ 46.65 مليار دولار.

وقالت غورغييفا لصحيفة «فايننشال تايمز» إن انتشار استثمارات الذكاء الاصطناعى خارج الولايات المتحدة مرشح لتوفير دعم إضافى للاقتصاد العالمى، بعدما تحولت البنية التحتية الرقمية إلى محرك للنمو فى عدد متزايد من الدول.

التفاؤل بالذكاء الاصطناعى خفف الضغوط المالية

لم يقتصر الأثر على الاقتصاد الحقيقى. فبحسب رءوف، ساهم التفاؤل بأرباح الذكاء الاصطناعى فى دعم أسواق الأسهم وإبقائها عند مستويات مرتفعة نسبيًا رغم صعود أسعار النفط وعوائد السندات. وساعد ذلك فى الحفاظ على جزء من ثروات الأسر، وأتاح للشركات الاستمرار فى الوصول إلى التمويل فى ظروف كان يمكن أن تكون أكثر تشددًا بكثير.

بمعنى آخر، عمل الذكاء الاصطناعى فى مسارين متوازيين: الأول عبر الاستثمار المباشر فى البنية التحتية، والثانى عبر دعم تقييمات الشركات والأسواق المالية.

وساعدت طفرة الاستثمار التكنولوجى الاقتصاد العالمى على امتصاص جانب من ضغوط الطاقة والتجارة وأسواق الدين، لكنها فى الوقت نفسه جعلت أداء الاقتصادات والأسواق أكثر ارتباطًا بمصير قطاع واحد سريع النمو وشديد التركّز.

وفى (يوليو)، أبقى صندوق النقد الدولى توقعاته لنمو الاقتصاد العالمى فى 2026 عند 3%، رغم تداعيات الحرب والتجزؤ التجارى ومخاطر حدوث تصحيح فى تقييمات شركات الذكاء الاصطناعى.

هل بات الاقتصاد العالمى محصنًا بالذكاء الاصطناعى؟

الإجابة: لا.

يؤكد رءوف أن من الصعب إرجاع صمود الاقتصاد العالمى كله إلى الذكاء الاصطناعى. فقد أسهم السحب من احتياطيات الطاقة، وزيادة الإمدادات البديلة، وتراجع كثافة استخدام الطاقة، إلى جانب متانة الاستهلاك فى بعض الاقتصادات، فى تخفيف أثر الصدمة.

كما يرى اقتصاديو «غولدمان ساكس» أن الأثر المباشر لطفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعى فى الناتج المحلى قد يكون أقل كثيرًا مما توحى به أرقام الإنفاق الضخمة، لأن نسبة مهمة من التجهيزات والرقائق والمعدات مستوردة، وبالتالى لا تتحول قيمة الاستثمارات كلها إلى نمو محلى.

ويظهر تناقض آخر أكثر أهمية: الذكاء الاصطناعى يساعد على مواجهة صدمة الطاقة، لكنه يتحول فى الوقت نفسه إلى واحد من أسرع مصادر الطلب الجديد على الكهرباء.

وتشير تقديرات نقلتها «بزنس إنسايدر» عن «غولدمان ساكس» إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء المرتبط بتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعى قد يقتطع نحو 0.1 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد الأمريكى.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تكون مراكز البيانات مسئولة عن نحو نصف الزيادة فى الطلب على الكهرباء فى الولايات المتحدة حتى عام 2030.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الذكاء الاصطناعى لم يجعل الاقتصاد العالمى محصنًا ضد صدمة الطاقة، بل منحه محركًا استثماريًا قويًا فى اللحظة التى كان يحتاج إليه فيها بشدة.

لكن هذا المحرك نفسه يحتاج إلى كميات متزايدة من الكهرباء ورءوس الأموال. وإذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة، أو بدأت شركات التكنولوجيا خفض إنفاقها الرأسمالي، فقد تنعكس المعادلة سريعًا.

كريم حمادى

جريدة النهار العربى

قضايا اقتصادية القضايا الاقتصادية العالمية والدولية والمحلية
التعليقات