ليلة سعد - سمير عمر - بوابة الشروق
الأحد 6 سبتمبر 2026 9:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

ليلة سعد

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:50 م

فى إحدى ليالى صيف عام ألفين وخمسة، كنت أعد تقريرا تليفزيونيا عن عرض «موسيقى الزار» الذى كان يقدمه ومازال المركز المصرى للفنون والثقافة «مكان» مساء الأربعاء من كل أسبوع. 

توجهت للمكان بعد التنسيق مع مؤسسه ومديره الصديق الدكتور أحمد المغربى ومعى فريق التصوير، وطلبت من السائق الذى كان يعمل معى آنذاك «حجاج» أن يلحق بى إلى مكان العرض الواقع فى الجهة المقابلة لضريح سعد زغلول.

«حجاج» كان شابا من «الفيوم» انتقل للإقامة فى مصر قبل العمل معى بنحو عامين وكانت خبرته بشوارع القاهرة فى البداية محدودة .

المهم ، بعد أن أتممت التصوير وانتهى العرض بالفعل، بحثت عن «حجاج»  فلم أجده، فاتصلت به على الهاتف المحمول 

: أين أنت يا حجاج؟ 

: والله ياريس أنا موجود فى شارع القصر العينى بس مش عارف أوصل «للضريع»!

: ضريع إيه يا حجاج؟! 

: «الضريع» اللى حضرتك قلت لى أجيلك عنده. 

: يابنى اسمه ضريح سعد مش «ضريع»

: أيوا سعد ... كنت بحاول افتكر الاسم. 

المهم بعدها بنحو خمس دقائق وصل «حجاج» للمكان فخرجت لأستقل السيارة وأغادر، فإذا بحجاج وقد وقف أمام «الضريح» وهو ينظر إليه فى استغراب شديد. 

: ها يا حجاج عرفت توصل للضريح والحمد لله، انت ازاى يابنى متعرفش «الضريح»؟

: يعنى إيه الضريح ياريس؟!

: عندكم فى البلد الأولياء مش مدفونين فى «ضريح» لا عندنا اسمه «مقام» سيدى فلان، معندناش ضريح، وبعدين هو سعد ده كان من الأولياء؟ عشان يتدفن فى «مقام» أو «ضريح»، وكمان المقام بيكون مبنى زى الجامع وعليه «قبة» ده عامل زى معابد الفراعنة يبقى مش مقام ولا ضريح!! 

ضحكت وضحك من حولى وقلت لحجاج: إن سعد المدفون فى هذا الضريح هو الزعيم المصرى سعد زغلول.

فقال إنه يعرف سعد زغلول طبعا ، لكن الغلطة غلطتى لإننى لم اقل له الاسم كاملا!

لكن لماذا بُنى ضريح سعد زغلول على هذا النحو ولم يُبنَ على هيئة القباب كما هو متبع؟  

: لأن حكومة عبد الخالق ثروت التى بُنى «الضريح» فى عهدها فضلت أن يأخذ الطابع المصرى القديم حتى يكون مُعبرا عن مصر بمسلميها ومسيحييها كما كان سعد زغلول زعيما للمصريين جميعا فى حياته. 

بالفعل كان سعد زغلول زعيما - مهما اختلفت أو اتفقت مع كثير أو قليل من مواقفه – زعيما لكل المصريين. 

فى الخامسة من مساء الثامن من مارس 1919 وصل إلى منزل سعد زغلول «بيت الأمة» فى ذات الشارع الذى شهد حوارى مع السائق «حجاج» ضابط بريطانى برتبة «رائد» وضابط آخر برتبة «ملازم أول» ومترجم مصرى، كان الغرض من الزيارة المفاجئة هو القبض على سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة «مالطا» حيث اعتادت قوات الاحتلال نفى قادة حركات التحرر من البلدان التى تحتلها، وبعدها انفجرت ثورة 1919م بشكل عفوى وبمشاركة مختلف أطياف الشعب فى مختلف المحافظات أو كما قال عباس محمود العقاد : «هذه الثورة المفاجئة لم يقع فيها تنظيم، ولم تكن فيها رئاسة مدبرة على الإطلاق، ومظاهرة الطلبة الأولى وقعت على غير علم سابق من الوفد، بل على خلاف النصيحة التى سمعها الطلبة من بعض أعضائه الذين بقوا فى القاهرة بعد اعتقال سعد وأصحابه الثلاثة».  

فى ثورة 1919م كان هناك الكثير ممن يشبهون السائق «حجاج». 

مواطنون مصريون بسطاء خرجوا مطالبين بعودة سعد ورفاقه وحق بلادهم فى الحرية والاستقلال. 

كان سعد زغلول أول زعيم مصرى فى العصر الحديث يتغنى المصريون باسمه تصريحا أو تلميحا بل كان حاضرا أيضا فى أورادهم وأدعيتهم، فحين منعت قوات الاحتلال ذكر اسم سعد زغلول تسابق الشعراء وكتاب الأغانى ومعهم الموسيقيون والمطربون فى تقديم أغنيات تتحايل على قرار المنع. 

فغنت نعيمة المصرى من كلمات بديع خيرى وألحان سيد درويش : «يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح 

يا بلح زغلول يا زرع بلدى 

عليك يا وعدى ...

يا بخت سعدي 

زغلول يا بلح 

يا روح بلادك 

ليه طال بعادك 

تع شوف بلادك 

زغلول يا بلح»

وغنت منيرة المهدية من ألحان محمد القصبجى: 

«شال الحمام حط الحمام        

من مصر لما للسودان 

زغلول وقلبى مال إليه 

اندهله لما احتاج إليه» 

‎وتعد منيرة المهدية نموذجا لما أحدثته ثورة 1919م فى نفوس المصريين فى تلك الحقبة التى كانت مصر تبحث خلالها عن نفسها وهى تواصل طريقها نحو التحرر والاستقلال الوطنى، تماما كما حدث مع كثيرين من فنانى تلك الحقبة ومبدعيها ، وكما حدث أيضا مع مواطنين بسطاء ألهبت الثورة حماسهم وأذابت ما بينهم من فوارق فكانوا جميعا مصريون، بعضهم يذهب إلى المسجد وبعضهم يذهب إلى الكنيسة.

 

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات