دلالة الدعوات الإسرائيلية المستجدة للانتقام الجماعى من القرى الفلسطينية المحتلة - قضايا إسرائيلية - بوابة الشروق
الخميس 30 يوليه 2026 10:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

دلالة الدعوات الإسرائيلية المستجدة للانتقام الجماعى من القرى الفلسطينية المحتلة

نشر فى : الخميس 30 يوليه 2026 - 8:45 م | آخر تحديث : الخميس 30 يوليه 2026 - 8:45 م

نشر المركز الفلسطينى للدراسات الإسرائيلية مقالا للكاتب وليد حباس، تناول فيه تحول العقيدة العسكرية والسياسية الإسرائيلية عبر سبعين عاما (من 1956 إلى 2026) من مفهوم «الردع العقلانى» لحماية المشروع الاستيطانى مع الإدراك بالمظلمة التاريخية للفلسطينيين (كما عبر عنه موشيه ديان)، إلى نهج «القصاص والتطهير التوراتى» الذى يقوده اليمين المتطرف لشرعنة العقاب الجماعى، وتدمير القرى الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان كسياسة رسمية للدولة.. نعرض من المقال ما يلى:

قبل 70 عاما على مقتل الحارس فى مزرعة جلعاد بالقرب من قرية تل، وبالتحديد فى 29 أبريل 1956، تسلل لاجئون فلسطينيون من قطاع غزة، ولم يكونوا بعد قد تخلّوا عن الأمل بوجود فرصة للعودة إلى ديارهم التى طردوا منها قبل 8 سنوات، وقاموا بقتل روعى روتبرج، حارس مستوطنة ناحل عوز. فى خطاب التأبين على قبره، قال الوزير موشيه ديان: «دعونا اليوم نتجنب توجيه الاتهامات إلى القتلة (الفلسطينيين). فما جدوى أن نلومهم على كراهيتهم الشديدة لنا؟ إنهم يقيمون منذ ثمانى سنوات فى مخيمات اللاجئين فى غزة، بينما نحول أمام أعينهم الأرض والقرى التى عاشوا فيها هم وآباؤهم إلى ملك لنا... نحن جيل استيطان، ومن دون الخوذة الفولاذية وفوهة المدفع لن نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت... دعونا نواجه الكراهية التى ترافق حياة مئات آلاف العرب المحيطين بنا وتملؤها، وهم ينتظرون اللحظة التى تتمكن فيها أيديهم من الوصول إلى دمائنا. دعونا نُبْقِ أعيننا مفتوحة كى تظل أيدينا قوية. هذا قدر جيلنا. وهذا خيار حياتنا: أن نبقى مستعدين ومسلحين، أقوياء وقساة، أو أن يفلت السيف من قبضتنا فتنقطع حياتنا».
يرى مؤرخون إسرائيليون أن خطاب ديان التأبينى هذا يستبعد كليا إمكان التوصل إلى حل سياسى، وأن التوسع الاستيطانى اليهودى داخل الحيز العربى يفرض على إسرائيل استخدام القوة المستمرة، وهذا ما دفع عالم الاجتماع الإسرائيلى باروخ كيمرلينج إلى وصف خطاب ديان بأنه «التعبير الأكثر أصالة عن النزعة العسكرية الإسرائيلية». بعد حوالى 70 عاما، وبعد هجوم 7 أكتوبر 2023، استشهد إسحاق هرتسوغ، رئيس دولة إسرائيل، مرة أخرى بعبارة ديان وقال: «هذا قدر جيلنا. وهذا خيار حياتنا: أن نبقى مستعدين ومسلحين، أقوياء وقساة، أو أن يفلت السيف من قبضتنا فتنقطع حياتنا».
• • •
فى 24 يوليو 2026، أعاد التاريخ نفسه، ولكن بشكل مقلوب. هذه المرة تسلل حارس المستوطنة، بنياهو ميلت، إلى قرية عربية وتم قتله من قبل شيخ القرية. لم يكن الشيخ من سليل اللاجئين الذين طردوا من منازلهم فى النكبة، أو النكسة، أو حرب الإبادة، أو عملية "الأسوار الحديدية" التى هدمت مخيمات شمال الضفة وهجرت حوالى 40 ألف فلسطينى. بل كان من سكان القرية التى جاءها المستوطنون فى ساعات الصباح الأولى، وفى نفس التوقيت، ويا للمفارقة، التى قتل فيها روتبرج قبل 70 عاما.
أثار مقتل ميلت خطابا فوريا وصريحا من قبل اليمين الإسرائيلى يدعو إلى الانتقام، أطلقه سياسيون إسرائيليون وشخصيات قيادية فى أوساط المستوطنين. ويعكس هذا الخطاب تحولا أوسع فى الرأى العام والسياسات الإسرائيلية فى اتجاه تطبيع العقاب الجماعى والعنف الانتقامى ضد الفلسطينيين. فقد أجرى إيتاى زر، أحد مؤسسى حفات جلعاد وشقيق جلعاد زر الذى قتل عام 2001، مقابلة مشحونة بالعواطف مع القناة السابعة بعد العملية مباشرة، وقال: «علينا أن نرى قرية تل مدمرة. إذا قتلت قرية تل يهوديا، فيجب تدمير القرية، تماما كما حدث فى غزة». وأعلن إقامة بؤرتين استيطانيتين جديدتين فى اليوم نفسه ردا على العملية. ونعى يوسى داجان، رئيس المجلس الاستيطانى الإقليمى فى شمال الضفة الغربية، ميلت وشدد على ضرورة الرد بقوة، ووضع العملية ضمن نمط أوسع من العنف الفلسطينى الموجه ضد المستوطنين. ثم زار عضو الكنيست تسفى سوكوت من حزب «الصهيونية الدينية» موقع العملية، وقالخلال الجنازة: «يجب أن يأتى الانتقام من مؤسسات الدولة. إن الناس تغلى من الغضب، ويجب توجيه رد مؤلم». وأضاف: «يجب أن تبدو القرية المجاورة مثل غزة».
وأعلن ديوان رئيس الحكومة أن بنيامين نتنياهو سيعقد اجتماعا طارئا مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان لمناقشة الرد، وجاء فى بيانه: «سنتحرك بقوة ضد الإرهابيين ومن يرسلهم، ولن نسمح للإرهاب فى يهودا والسامرة بأن يرفع رأسه».
والحقيقة أن إسرائيل كانت أعلنت أنها عبر عملية «الأسوار الحديدية» التى أطلقتها مطلع عام 2025، أنهت البنية المكانية لجيوب المقاومة المسلحة فى شمال الضفة الغربية. فقد اقتحمت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ودمرت أجزاء واسعة منها، وهجرت نحو أربعين ألف فلسطينى، وفككت المجموعات المسلحة المرتبطة بالفصائل، إلى جانب التشكيلات المحلية التى أقامها شبان مستقلون خارج الأطر التنظيمية التقليدية. لذلك، تثير الدعوات الإسرائيلية الراهنة إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة سؤالا حول الهدف الفعلى لهذه العملية الجديدة. فالجيش سبق أن حاصر مراكز المقاومة المسلحة، وقتل واعتقل معظم عناصرها، وغير البنية العمرانية والاجتماعية التى وفرت لها الحاضنة. فى هذا السياق، قد يشير مطلب «العملية الواسعة» إلى انتقال مركز الهجوم من المخيمات والمجموعات المسلحة إلى القرى الفلسطينية وسكانها المدنيين. وهكذا تتحول العملية العسكرية المقترحة إلى أداة للعقاب الجماعى وإعادة هندسة الحيز، عبر تدمير الممتلكات والتهجير والاستيلاء على الأرض وتوسيع الاستيطان، تحت غطاء أمنى يمنح الانتقام صيغة مؤسساتية رسمية.
• • •
تكشف المقارنة بين مقتل روعى روتبرج العام 1956 ومقتل بنياهو ميلت العام 2026 تحولا عميقا فى وظيفة الانتقام داخل المشروع الصهيونى. فلقد صاغ ديان العنف بوصفه شرطا لحماية الاستيطان من مقاومة الفلسطينيين الذين أدرك أسباب غضبهم التاريخى. وحمل خطابه وعيا استعماريا واضحا: يستولى المستوطنون على أرض اللاجئين، ولذلك يحتاج المشروع إلى السيف كى يحمى توسعه. هنا عمل الردع كأداة عقلانية لإدارة الصراع، وتأمين الحدود، ومنح المستوطن الوقت والمساحة لغرس الشجرة وبناء البيت.
أما الخطاب الراهن، فيمنح الانتقام معنى توراتيا وجماعيا. لم يعد الفلسطينى خصما سياسيا يحمل مظلمة تاريخية، بل أصبح جزءا من جماعة يستهدفها العقاب بسبب هويتها ومكانها. لذلك يطالب المستوطنون والسياسيون بتدمير القرية وتهجير سكانها وإقامة بؤر استيطانية فوق أراضيها، حتى حين يقع الحدث داخل قرية اقتحمها مستوطن مسلح. بناء على ذلك يمكن القول إن هذا المنطق يستبدل مفهوم الردع بمفهوم القصاص، ويحوّل الجيش والدولة إلى أداتين لتنفيذ رغبة المستوطنين فى الثأر.
ويعبر هذا الانتقال أيضا عن صعود صهيونية دينية تقرأ الأرض والعنف بمنطق توراتى: الفلسطينى عقبة جماعية، والاستيطان هو بمثابة فعل خلاص، والحرب أمست وسيلة لتطهير الحيز وإعادة تأسيس السيادة اليهودية. هكذا ينتقل الانتقام من حماية المشروع الاستيطانى إلى إنتاجه مباشرة، عبر تدمير المجتمع الفلسطينى وتحويل العقاب الجماعى إلى سياسة رسمية تعيد رسم الجغرافيا والسكان.
النص الأصلى:

https://tinyurl.com/3x3feee2

قضايا إسرائيلية قضايا يهودية
التعليقات