لمن البحر اليوم؟ - محمد بصل - بوابة الشروق
الخميس 30 يوليه 2026 9:51 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

لمن البحر اليوم؟

نشر فى : الخميس 30 يوليه 2026 - 8:20 م | آخر تحديث : الخميس 30 يوليه 2026 - 8:22 م

هناك رابط جذري ومنطقي بين قضيتين تشغلان حيزًا كبيرًا من النقاش العام حاليًا.

القضية الأولى تتعلق بقدرة المواطنين على الوصول إلى البحر والتمتع بالشواطئ في قرى الساحل الشمالي وغيرها من المدن الساحلية.

أما القضية الثانية فثارت حول دعوات وضع دستور جديد أو تعديل الدستور، وقد كتبتُ في هذه الزاوية الأسبوع الماضي معارضًا تلك الدعوات المنفصلة عن مشاكل المواطنين والشواغل الحقيقية للشارع، فالأهم الآن علاج أوجه القصور في تطبيق المبادئ والاستحقاقات الدستورية. أيْ "التفعيل" وليس "التعديل".

ومن هنا بالضبط ترتبط القضيتان.. فالدستور يكفل في المادة 45 "حق كل مواطن في التمتع بالبحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية" ويؤكد في المادة 34 أن "للملكية العامة حُرمة، لا يجوز المساس بها وحمايتها واجب وفقًا للقانون".

ولم يصدر حتى الآن قانونٌ ينظم كيفية مباشرة المواطن لحقه في حماية المال العام، بينما يقتصر قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة رقم 23 لسنة 2014 على حالة صدور حكم بات في جريمة عدوان على المال العام، مما يعني خلوه من معالجة حالات كثيرة يتعرض فيها المال العام للجور والتآكل من دون توافر -أو ثبوت- عنصر الفساد المالي.

وبغض النظر عن ذلك؛ فإن "الخناقة" حول أحقية المواطنين من قاطني بعض القرى السياحية أو غيرهم في الوصول إلى البحر، والتوسع المستمر للمشروعات في استغلال حرم الشاطئ إلى حد بناء وحدات سكنية وملاهي ومطاعم ومقاهي على بُعد أمتار قليلة من البحر، عكست تراجعًا مروعًا للوعي العام بالطبيعة القانونية للشواطئ البحرية والنهرية وغيرها من مكوّنات "الدومين العام".

والسبب الرئيسي لهذا الاضطراب العام هو استمراء المخالفات القانونية الفجة والتراخي في إزالتها والتوسع في خرق القواعد القانونية المستقرة لتحقيق أهداف قصيرة الأجل، وكأن الاستثمار في الشواطئ اختراع مصري بدأ في الساحل الشمالي الغربي منذ سنوات قليلة!! وعلى النقيض من مئات التجارب الدولية الناجحة للاستثمار السياحي على كل بحار الدنيا تقريبًا بدون قرارات حرمان مطلق من دخول شواطئ بعينها، أو قصر الانتفاع بها على نخبة ضئيلة من المواطنين أو الأجانب!!

عزيزي القارئ.. أدعوك إلى التركيز في السطور القادمة، لعلّها تعيد "الجدل" إلى قواعده الأصلية.. المنسية

>> العمومية الذاتية : "عمومية الشواطئ ذاتية لا تحتاج إلى قرار يصدر بذلك، وهي بوصف العمومية تستعصي على التخصيص، فهو أمر تأباه طبيعتها..... وإجازة العمل المادي ليس من شأنها تغيير الأوصاف القانونية المستقرة.... فلا يجوز تملك الشواطئ أو بيعها" (الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة 7/3/2007)

>> للشاطئ حُرمة فما المنشآت المستثناة من الحظر؟  "التي يكون من ورائها تحقيق نفع عام مثل حماية الشواطئ من التآكل أو أغراض الدفاع أو الأمن أو الخدمات العامة ولا تتعارض مع البيئة الطبيعية والهدف من الحظر، والقول بغير ذلك (كالسماح ببناء وحدات سكنية أو ترفيهية) يعني أن المشرّع اشترط ذلك من قبيل اللغو وهو ما ينزّه عنه المشرّع (الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة 12/12/2018)

>> القرى السياحية لا تملك شواطئها : "الشواطئ الرملية أمام القرى السياحية تعد من الأموال العامة المملوكة للدولة، ويجب على القرى السياحية ترك مسافة الشريط الساحلي كحرم للشاطئ للاستجمام بعمق لا يقل عن 100 متر من حد المياه لا يدخل ضمن مساحة الأرض المباعة للقرية" (المحكمة الإدارية العليا 11/2/2023)

 >> متى يخرج الشاطئ من الدومين العام؟ "انحسار مياه البحر نهائيًا عن جزء من الشاطئ هو السبيل الوحيد لزوال صفة الأملاك العامة الطبيعية عن الشاطئ وتحوله من ملكية عامة إلى أملاك دولة خاصة" (الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة 22/6/2022)

 >> حق الانتفاع له شروط وأصول، وتميّز الحاصل على حق الانتفاع لا يعني إلغاء حق باقي المواطنين : "للإدارة أن تسمح لبعض الأفراد باحتلال أجزاء معينة من الدومين العام مؤقتًا لفائدتهم الخاصة...... كالإذن لبعض الأفراد بوضع كابينات على شاطئ البحر للاستحمام، أو ذهبيات بمحاذاة شاطئ النيل للسكن، ويُشترط لهذا الاستعمال الخاص الحصول على رخصة مقدمًا، كما يُشترط للترخيص فيه ألّا يكون معطِلًا لانتفاع المجموع (المواطنين) بالأموال العامة فيما أعدّت له أصلًا، وألّا يكون في ذلك خطر أو ضرر على المال العام وحفظه" (الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة 7/1/1998)

 تستند الخُلاصات السابقة إلى الدستور بمبادئه ونصوصه وروحه والقوانين المكملة له والتفسيرات القضائية المستقرة.

أليس هذا سببًا إضافيًا إلى المطالبة بـ"تفعيل الدستور" لا "تعديله"؟

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات