بينما نقترب من التفعيل الكامل لقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 من بداية نوفمبر المقبل، عقب إصدار لائحته التنفيذية بقرار وزير الاتصالات رقم 816 لسنة 2025 دقت مجموعة من الوقائع ناقوس خطر حقيقى يداهم المصريين، يتمثل فى حالة السيولة التى تتعامل بها معظم المؤسسات فى القطاعين العام والخاص مع بيانات المواطنين، وغياب الحماية الكاملة المقررة قانونًا لتلك البيانات، وتعريضها للتسريب والتداول، والأكثر كارثية.. استخدامها فى ارتكاب جرائم سواء من خلال الانتحال أو التزوير أو الاحتيال.
لقد تجاوزنا ــ مع الأسف ــ تناقل بيانات الأشخاص بين شركات مكافحة الحشرات والقوارض والسماسرة العقاريين والجمعيات الأهلية وكل من هب ودب يهاتفك على مدار اليوم لإقناعك بشراء شقة أو الاشتراك فى نادٍ أو خدمة أو تبرّع، ودخلنا مرحلة جديدة من الاستغلال كما فى حالات تسجيل خطوط محمول ومحافظ بأسماء مواطنين دون علمهم والتى أحالها الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات إلى النيابة العامة، والحصول على تمويل باستخدام تفويضات مصطنعة من مواطنين دون علمهم كما فعل مالك المدرسة الدولية فى الواقعة التى تنظرها النيابة العامة أيضًا.
ولمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة طريق واحد: إحكام الرقابة وتطبيق القانون بحذافيره واتخاذ تدابير رادعة ضد حائزى البيانات الذين ينتهكون سِتر الخصوصية ويهدرون السرية المقررة فى الدستور حمايةً للمواطنين. وقانون حماية البيانات الشخصية يرتب بالفعل عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة بين 500 ألف و5 ملايين جنيه أو بإحدى العقوبتين حال الإخلال بالمسئوليات المقررة لجمع وحفظ البيانات.
ولا يجوز أن تكون مواجهة الظاهرة بمشكلة أكبر. أعنى بذلك الاتجاه الذى أفصح عنه الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات باستخدام البيانات البيومترية كشرط لتسجيل خطوط الهاتف المحمول وإدارتها واستعادتها، أو للاعتراض على تسجيل الخطوط بأسماء آخرين دون علمهم.
فالبيانات البيومترية من بصمات وجه وأصابع وغيرها من القياسات الحيوية، من أهم البيانات الحساسة وفق تصنيف قانون حماية البيانات الشخصية، إلى جانب البيانات التى تفصح عن الصحة النفسية أو العقلية أو البدنية أو الجينية، أو البيانات المالية أو المعتقدات الدينية أو الآراء السياسية أو الحالة الأمنية، وجميع بيانات الأطفال.
ويحظر القانون بشكل عام جمع البيانات الحساسة أو نقلها أو أو تخزينها أو حفظها أو معالجتها أو إتاحتها، ويضع لذلك استثناءات محددة على سبيل الحصر هى: موافقة كتابية «صريحة».
ولا يمكن تصوّر أن جمع البيانات البيومترية ضرورة حتمية لحوكمة ملف خطوط الهاتف المحمول، أو أى خدمات أخرى على المستوى الوطني، فهناك العديد من البدائل التقنية التى يمكن استخدامها لتنقية وتحديث البيانات بما يضمن وضوح الملكية والحيازة واستقرارها، ومنع استمرار أى خط باسم مالك سابق أو تبعية أى خط أو محفظة لشخص غير مالكها.
كما أن أغراض الأمن القومى المستثناة من الخضوع للقانون لا يستقيم معها جمع البيانات البيومترية لتلك الأغراض التجارية أو الخدمية، حتى إذا ترتبت بعض الجرائم عليها، بالنظر للبدائل العديدة المتاحة والمتبعة عالميًا، وبالأخص فى أوروبا التى تعتبر قواعد حماية البيانات الشخصية فيها هى المصدر الأساسى للقانون المصرى.
ومنذ ساعات أصدرت عدة مؤسسات مصرية بيانًا تقترح فيه بدائل مختلفة عوضًا عن من تحميل جميع المستخدمين مخاطر إضافية على خصوصيتهم، على رأسها إلزام شركات الاتصالات بإنشاء سجلات تدقيق محمية من التعديل أو الحذف لكل عملية تسجيل أو نقل ملكية أو استبدال خط، لتتبع كل معاملة وربطها بنقطة البيع وحساب الموظف أو الوكيل وجهاز التفعيل المستخدم وتوقيت تنفيذها وأى تعديل لاحق عليها، وقد طرحت منظمة «مسار - مجتمع التقنية والقانون» أفكارًا مهمة فى هذا الصدد خلال الأسابيع الأخيرة.
أما الإشكالية الأخرى التى لا تقل أهمية فترتبط ببناء الوعى. أعلمُ أن مركز حماية البيانات الشخصية (DPC) بوزارة الاتصالات بذل مجهودات كبيرة فى تدريب وتأهيل مسئولى حماية البيانات المهنيين وبالمؤسسات المختلفة بالقطاعين الخاص والعام منذ إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، لكن التوعية العامة للمواطنين تتطلب تضافر الجهود بين المركز والوزارات وجميع الجهات الرقابية.
إذ يجب إعلام كل شخص بغرض جمع البيانات بوضوح، وعدم تجاوز الغرض، والتنبيه إلى أن إفصاح الشخص عن بياناته لتلقى خدمة مشروعة يعتبر بمثابة موافقة ضمنية فى حدود الغرض، وكل ذلك لمدة معينة.
فالهدف الأهم هو تعريف كل مصرى وكل مقيم بمصر بحقوقه وكيفية التعامل مع الانتهاكات، والبنود -خفيةً كانت أم مدسوسة- فى العقود والوثائق للتحايل على شرط «الموافقة الصريحة» على جمع البيانات ومعالجتها.