الحماية الاجتماعية كخط الدفاع الأول فى مواجهة تغير المناخ - أسماء المالكي - بوابة الشروق
الخميس 27 أغسطس 2026 9:02 م القاهرة

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

الحماية الاجتماعية كخط الدفاع الأول فى مواجهة تغير المناخ

نشر فى : الخميس 27 أغسطس 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الخميس 27 أغسطس 2026 - 7:15 م

لم تعد درجة الحرارة مجرد معبر عن بداية شهر الصيف، حيث أصبحت مهددًا حقيقًا للمحاصيل وللعمالة فى مصر بسبب الآثار المتنامية لتغير المناخ. تعانى العمالة غير الرسمية -تحديدًا- تهديدًا أكبر بسبب التغيرات المناخية، بسبب هشاشة أوضاع عملهم من ناحية، ومن ناحية أخرى كونهم أكثر عرضة لظروف العمل الشاقة.
وفى ظل التهديدات المتنامية للتغيرات المناخية على العمالة، ووفقًا لدراسة حول الحماية الاجتماعية والاندماج الاجتماعى فى المنطقة العربية، تعتبر الحماية الاجتماعية بكل أدواتها هى خط الدفاع الأول للتكيف مع آثار التغيرات المناخية المتخلفة، بدءًا من زيادة الحرارة وصولًا إلى الكوارث المناخية.



العمالة غير الرسمية فى قلب الأزمة المناخية


وفقًا لمرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى مصر الصادر من الشبكة العربية للباحثين والباحثات الشباب فى مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تمثل العمالة أحد أبرز أوجه الضعف فى منظومة الحماية الاجتماعية فى مصر، إذ يعمل نحو 67% من إجمالى القوى العاملة خارج مظلة العمل الرسمى. بينما ترتفع هذه النسبة إلى ما يقرب من 97% داخل القطاع الزراعى، وهو القطاع الأكثر تعرضًا لتداعيات تغير المناخ من موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتملح التربة والسيول. ويعنى ذلك أن غالبية العاملين فى القطاعات الأكثر تأثرًا بالمناخ يفتقرون إلى الأمان الوظيفى، والتأمينات الاجتماعية بما فى ذلك التعويض عن فقدان الدخل بسبب آثار التغير المناخى، والتغطية الصحية. وتزداد هشاشة النساء داخل هذا النمط من العمل؛ إذ تمثل النساء نحو 19% فقط من إجمالى المشتغلين، بينما يتركزن فى قطاعات منخفضة الأجر وغير رسمية مثل الزراعة والخدمات والتعليم.
كما تعمل 15.8% من النساء لدى الأسرة دون أجر، مقارنة بـ2.4% فقط من الرجال، بما يحرمهن من الحماية التأمينية والاجتماعية ويضاعف تعرضهن للفقر عند وقوع الصدمات المناخية.
ولا تقتصر آثار العمل غير الرسمى على غياب التأمينات، بل تمتد إلى محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية. فالحصول على التأمين الصحى لا يزال يرتبط فى كثير من الحالات بالعمل الرسمى، رغم التقدم الذى يشهده تطبيق قانون التأمين الصحى الشامل، والذى لا يزال قاصرًا على عدد محدود من المحافظات (أسوان وبورسعيد) مع خطة لاستكمال تطبيقه تدريجيًا حتى عام 2030. ويؤدى ذلك إلى استمرار حرمان ملايين المواطنين، خاصة فى المناطق الريفية، من الحماية الصحية اللازمة فى مواجهة الأمراض والكوارث المرتبطة بالمناخ.

حين تتحول الحرارة إلى تهديد للدخل والعمل


أصبحت موجات الحرارة الشديدة واحدة من أكثر المخاطر المناخية تأثيرًا على سبل العيش فى مصر، خاصة بالنسبة للعاملين فى الأنشطة التى تعتمد على العمل فى الهواء الطلق، مثل الزراعة والبناء والنقل والخدمات والباعة الجائلين. ولا تقتصر آثار الحرارة على المخاطر الصحية المباشرة، وإنما تؤدى أيضًا إلى انخفاض الإنتاجية، وتراجع الدخل، وزيادة احتمالات فقدان العمل، وهو ما يجعلها خطرًا اجتماعيًا واقتصاديًا يتطلب استجابة من نظم الحماية الاجتماعية.
وتشير ورقة نحو سياسات فاعلة لترسيخ العدالة البيئية والمناخية فى مصر الصادرة عن شبكة الشباب الباحثين فى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن آثار درجات الحرارة تتفاقم نتيجة محدودية دخول الأسر المصرية، إذ يبلغ متوسط صافى الأجر الشهرى بعد الضرائب نحو 151 دولارًا أمريكيًا، وهو مستوى من الدخل لا يتيح لتلك الأسر فى الوصول إلى الموارد الاقتصادية المختلفة. وبالتالى لا يسمح ذلك بالتكيف مع آثار التغيرات المناخية، مثل السكن الآمن، والوصول للخدمات الصحية، و/أو تحمل الزيادة المستمرة فى أسعار الغذاء والطاقة. وعندما تتزامن موجات الحرارة مع التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح الأسر محدودة الدخل أكثر عرضة للوقوع فى دائرة الفقر.

من الاستجابة إلى الوقاية: كيف تحمى الحماية الاجتماعية المجتمع؟


تتزايد أهمية الحماية الاجتماعية مع تصاعد تكرار الكوارث المناخية، سواء تمثلت فى السيول أو موجات الجفاف أو زيادة درجات الحرارة وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة فى مصر، حيث توضح الورقة السابق ذكرها أن القطاع الزراعى مصدر دخل لنحو 23.3% من قوة العمل، بينما يعانى نحو 27% من السكان من انعدام الأمن الغذائى بدرجتيه المعتدلة أو الشديدة، وهو ما يجعل أى صدمة مناخية جديدة قادرة على دفع ملايين الأسر نحو مزيد من الفقر والهشاشة.
ورغم أن الدستور المصرى يكفل الحقوق الأساسية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، مثل الحق فى الصحة والتعليم والعمل اللائق، فإن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملى لا تزال قائمة، خاصة فى المناطق الريفية والأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية، حيث تتراجع جودة الخدمات الأساسية وتزداد معدلات الفقر.
ومن ثم، فإن بناء نظام حماية اجتماعية قادر على مواجهة الكوارث يتطلب الانتقال من السياسات التى تستجيب للأزمات بعد وقوعها إلى نظم استباقية تتوقع المخاطر وتستعد لها. ويشمل ذلك توسيع مظلة التأمين الصحى والاجتماعى لتضم العاملين فى الاقتصاد غير الرسمى، وربط الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم وتكاليف المعيشة، بجانب زيادة الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية للكافة، وزيادة كفاية برامج الدعم بحيث تستجيب للصدمات المناخية، إلى جانب توجيه الاستثمارات العامة نحو الخدمات الأساسية فى المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر.
ولم يعد تغير المناخ فى مصر تحديًا بيئيًا فحسب، وإنما قضية عدالة اجتماعية فى المقام الأول. وكلما كانت نظم الحماية الاجتماعية أكثر شمولًا لكل الفئات الاجتماعية، ازدادت قدرة المجتمع على الصمود أمام الأزمات المقبلة، سواء كانت موجة حر أو موسم جفاف أو كارثة مناخية مفاجئة.

أسماء المالكي عضوة في الشبكة العربية للباحثين والباحثات الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
التعليقات