فى السادس من سبتمبر الجارى، استيقظ العالم على تصريح هزَّ الأوساط العلمية والتكنولوجية؛ إذ نشر السيد جنسن هوانج، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذى لشركة «إنفيديا»، على منصة «X» عبارة شديدة الدلالة قال فيها: «الذكاء الاصطناعى العام قد وصل. مبروك لفريق أوبن إيه آى»، فى إشارة إلى النموذج الجديد GPT-6 Astra الذى أطلقته شركة «أوبن إيه أى» قبل ذلك بأيام.
نعم، يمثل GPT-6 Astra قفزة كبيرة باتجاه الذكاء الاصطناعى العام (Artificial General Intelligence – AGI)، حسب ما أعلنت «أوبن إيه أى» أنه حقق مستويات غير مسبوقة فى استخدام الحاسوب، والبرمجة، والبحث العلمى، والأمن السيبرانى، مع نتائج مرتفعة للغاية فى عدد من الاختبارات المتقدمة. لكن هل يكفى ذلك لكى نقول إننا دخلنا بالفعل عصر الذكاء الاصطناعى العام؟ والإجابة العلمية حتى الآن: ليس بهذه السرعة. فتأكيد الوصول إلى AGI يحتاج إلى معايير واختبارات أكثر شمولًا، كما يحتاج إلى تعريف واضح ومتفق عليه لما نعنيه أصلًا بالذكاء الاصطناعى العام. وحتى الآن لا يوجد إجماع علمى على تعريف واحد أو اختبار واحد يمكن من خلاله إعلان الوصول إلى هذه المرحلة. وقد لاحظت جهات متخصصة أن تصريحات هوانج وجريج بروكمان، رئيس «أوبن إيه أى»، لم تحدد تعريفًا أو اختبارًا أو معيارًا إثباتيًا واضحًا يجعل الحكم نهائيًا. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل أصبح الذكاء الاصطناعى العام واقعًا بالفعل، أم أننا أمام أقوى اقتراب له حتى الآن؟ وهنا أعرض عدة نقاط للرد على هذا التساؤل:
أولاً: المشهد العالمى - سباق نحو المجهول
قبل أن نتناول تصريح السيد هوانج، دعونا نستعيد المشهد العالمى للذكاء الاصطناعي؛ هو مشهد يتسم بتنافس محموم، واستثمارات غير مسبوقة، واندفاع هائل نحو تطوير هذه التكنولوجيا، فى محاولة من كل دولة وكل شركة لتحقيق السبق والاستحواذ على أكبر حصة ممكنة من «الكعكة» التكنولوجية الجديدة. وإذا نظرنا إلى التطور التاريخى للذكاء الاصطناعى، يمكن تبسيطه ــ مع التحفظ العلمى ــ إلى ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى هى مرحلة الذكاء الاصطناعى الضيق (Artificial Narrow Intelligence ــ ANI)، وهى المرحلة التى نعيش بداياتها المتقدمة منذ الإعلان عن ChatGPT فى 30 نوفمبر 2022، ثم الانتشار السريع لنماذج وتطبيقات منافسة مثل Gemini وClaude، وDeepSeek. وفى هذه المرحلة تستطيع الأنظمة أداء عدد هائل من المهام بكفاءة تفوق الإنسان أحيانًا، لكنها تظل ــ من حيث التصميم والقدرة العامة ــ أنظمة متخصصة وليست عقلًا عامًا مماثلًا للعقل البشرى.
أما المرحلة الثانية فهى الذكاء الاصطناعى العام (AGI)؛ وهى المرحلة التى تصبح فيها الآلة قادرة، بصورة عامة، على أداء طيف واسع من المهام الفكرية بمستوى يقارب الذكاء الإنسانى وقد يتجاوزه فى بعض المجالات. وهنا تبدأ المخاوف الحقيقية. فالخطر ليس فى أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً فحسب، وإنما فى أن تصبح قادرة على التفكير والاستدلال، وحل المشكلات المعقدة، والتخطيط، والتعلم من التجربة، والأهم: العمل باستقلالية متزايدة.
لكن الأخطر هو احتمال أن تتجاوز هذه الاستقلالية مرحلة معينة، بحيث تبدأ الأنظمة فى تحسين قدراتها أو تطوير أنظمة أكثر تقدمًا منها بدرجة لا يعود معها الإنسان قادرًا على مواكبة سرعة التطور.
وهنا نصل إلى المرحلة الثالثة: الذكاء الاصطناعى الخارق (Artificial Superintelligence – ASI)، حيث تتجاوز قدرات الآلة القدرات البشرية بصورة واسعة فى معظم المجالات المعرفية. وهنا تحديدًا تكمن المخاوف الوجودية التى يتحدث عنها عدد متزايد من العلماء وقادة صناعة الذكاء الاصطناعى.
ثانيًا: من تصريح هوانج إلى «التفاعل المتسلسل»
بعد أيام قليلة بدأ ما يمكن أن نطلق عليه التفاعل المتسلسل (Chain Reaction)، ففى الثامن من سبتمبر، أعلن جاكوب كوكسن، الباحث فى مجال الذكاء الاصطناعى فى شركة «أنثروبيك»، استقالته، بعد أن أمضى نحو ثلاث سنوات فى العمل البحثى فى «أوبن إيه أى» و«أنثروبيك». وفى منشوراته اتهم الشركتين قائلاً «كلتا الشركتين لا تتصرفان بمسئولية؛ فهما تتسابقان رأسًا نحو ذكاء خارق يطور نفسه بنفسه، وتقامران بأرواحنا»، محذرًا من أن العاملين فى هذا المجال يعتقدون بالفعل أن التكنولوجيا قد تصل إلى درجة تهدد البشرية خلال هذا العقد. واللافت هنا أن هذه التصريحات صادرة عن باحث عمل داخل مختبرين من أهم مختبرات الذكاء الاصطناعى فى العالم. بعدها جاء رد فعل سام ألتمان، الرئيس التنفيذى لـ«أوبن إيه أى»، فى الحادى عشر من سبتمبر حيث أبلغ موظفيه بأن الشركة منفتحة على إبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعى إذا اقتضت اعتبارات السلامة ذلك. ثم، فى الثانى عشر من سبتمبر، نشر داريو أمودى، الرئيس التنفيذى لشركة «أنثروبيك»، مقالًا بعنوان «علينا أن نضبط سرعة التقدم»، دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، محذرًا من أن التطور قد يتجاوز قدرتنا على فهم الأنظمة والسيطرة عليها. واقترح، من بين أمور أخرى، إتاحة وصول دائم لمقيّمين مستقلين إلى الأنظمة للتحقق من إجراءات السلامة والإبلاغ عن الحوادث وتقييم مستوى المواءمة أثناء التدريب.
ثالثًا: التحذيرات
يجب علينا ألا نتعامل مع هذه التحذيرات باعتبارها ظاهرة بدأت هذا الأسبوع. فمنذ سنوات، حذّر عدد من كبار العلماء من إمكانية أن تتحول أنظمة الذكاء الاصطناعى شديدة التقدم إلى مصدر خطر على البشرية. ففى ديسمبر 2014، حذر عالم الفيزياء البريطانى الراحل ستيفن هوكينج من أن تطوير ذكاء اصطناعى كامل قد يمثل تهديدًا وجوديًا للبشرية. وبعد ذلك بسنوات، وفى مايو 2023، استقال جيفرى هينتون من شركة «جوجل»، وهو أحد أبرز رواد هذه التقنية، ويعتبره الكثيرون الأب الروحى للذكاء الاصطناعى، محذرًا من المخاطر التى يمكن أن تنتج عن التطور السريع للذكاء الاصطناعى وإمكانية إساءة استخدامه. وقد حصل هينتون لاحقًا، فى عام 2024، على جائزة نوبل فى الفيزياء تقديرًا لإسهاماته فى مجال التعلم الآلى والشبكات العصبية الاصطناعية. فهل استمع العالم فعلًا إلى هذه التحذيرات؟ الإجابة الواضحة حتى الآن: لم يتوقف السباق. بل على العكس؛ أصبح السباق أسرع وأضخم وأكثر ارتباطًا بالمنافسة الاقتصادية والجيوسياسية.
رابعًا: هل نثق فى دعوات التمهل؟
من الطبيعى أن نأخذ تصريحات سام ألتمان وداريو أمودى بجدية؛ فهما يقودان اثنتين من أهم المؤسسات التى تطور نماذج الذكاء الاصطناعى المتقدمة فى العالم. لكن من المشروع أيضًا أن نتعامل معها بشىء من الحذر. ففى حالة «أوبن إيه أى»، لا يمكن تجاهل الأزمة التى وقعت فى نوفمبر 2023، عندما أقال مجلس الإدارة سام ألتمان بصورة مفاجئة، قبل أن يعود إلى منصبه بعد أيام قليلة. وكانت الأزمة قد أثارت، من بين أمور أخرى، تساؤلات حول طريقة إدارة الشركة ومسائل السلامة والحوكمة. أما «أنثروبيك»، فقد بنت صورتها منذ تأسيسها على تبنى نهج أكثر تركيزًا على سلامة الذكاء الاصطناعى ومواءمته مع القيم والمصالح البشرية. لكن المفارقة أن «أنثروبيك» نفسها أصبحت طرفًا فاعلًا فى سباق النماذج المتقدمة، كما أن نموذج Claude استُخدم فى عدد من العمليات العسكرية والاستخباراتية والعمليات السيبرانية من قبل أطراف مختلفة، وفق تقارير نشرتها الشركة نفسها عن إساءة استخدام النموذج.
خامسًا: ولكن ماذا عن الصين؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب، فحتى لو افترضنا ــ جدلًا ــ أن الشركات الأمريكية الكبرى اتفقت على إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعى المتقدم، وانتظرت حتى يتم التأكد من إجراءات السلامة والقدرة على التحكم فى هذه الأنظمة، فماذا عن الآخرين؟ ماذا عن الشركات الأمريكية التى قد ترفض الالتزام؟ وماذا عن الصين، المنافس الاستراتيجى الأكبر للولايات المتحدة فى مجال الذكاء الاصطناعى؟ هل ستتوقف قليلًا حتى تتأكد من أمان الجميع؟ أم أنها ستنظر إلى أى تباطؤ أمريكى باعتباره فرصة استراتيجية يجب استغلالها؟ وهنا يتحول النقاش من مجرد قضية تقنية أو أخلاقية إلى قضية أمن قومى وجيوسياسى. لأن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد صناعة جديدة؛ إنه أصبح مرتبطًا بالاقتصاد، والدفاع، والأمن السيبرانى، والعلوم، والصناعة، والطاقة، والفضاء، والمعلومات، وحتى بموازين القوة بين الدول.
السؤال الأخير: من يفوز بالذكاء الاصطناعى؟
وهنا تأتى أهمية التصريحات التى أدلى بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أيرلندا فى 13 سبتمبر الجارى، عندما رفض الدعوات إلى إبطاء السباق، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تريد أن تتخلى عن ريادتها فى مواجهة الصين قائلاً: «من يفوز بالذكاء الاصطناعى، يفوز بكل شىء». وهنا نصل إلى جوهر المشكلة. العالم اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: العلماء يقولون: تمهلوا، فقد تصبح التكنولوجيا أسرع من قدرتنا على السيطرة عليها. وقادة شركات الذكاء الاصطناعى يقولون: نحتاج إلى مزيد من إجراءات السلامة. وفى المقابل، يقول منطق المنافسة الجيوسياسية: إذا تباطأنا، فقد يتقدم المنافس. وهكذا يجد العالم نفسه أمام معادلة لم يسبق أن واجه مثلها: فإذا كان الفوز بالذكاء الاصطناعى قد يعنى «الفوز بكل شىء»، فإن الخوف الحقيقى هو أن يؤدى السباق نحو هذا الفوز إلى أن «نخسر السيطرة على كل شىء».
وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق