شهادة السيد «هوانج» - محمد سالم - بوابة الشروق
الإثنين 9 مارس 2026 2:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

شهادة السيد «هوانج»

نشر فى : الثلاثاء 3 مارس 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 مارس 2026 - 7:20 م

عقد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى الولايات المتحدة الأمريكية فى 3 ديسمبر 2025 جلسة حوار موسعة بعنوان «تأمين الريادة الأمريكية فى مجال الذكاء الاصطناعى»، تناولت أبعاد التنافس التكنولوجى المتصاعد بين أمريكا والصين. كان المتحدث الرئيسى فيها السيد جنسن هوانج، المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذى لشركة إنفيديا. وخلال اللقاء، طرح هوانج تصورًا تحليليًا جديدًا لفهم منظومة الذكاء الاصطناعى أطلق عليه إطار «الكعكة الخماسية»، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعى ليس تقنية منفردة، بل منظومة متكاملة تتألف من خمس طبقات مترابطة تبدأ بالطاقة اللازمة لتشغيله وتطويره، وتنتهى بالتطبيقات النهائية. كما استعرض من خلال هذا الإطار ملامح المشهد التنافسى الراهن بين الولايات المتحدة والصين، عبر تقييم موقع كل منهما ضمن كل طبقة من هذه الطبقات.
ويشهد النظام الدولى سباقًا تكنولوجيًا محمومًا بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعى، التى باتت تمثل العمود الفقرى للقوة الاقتصادية والعسكرية والتأثير الجيوسياسى فى القرن الحالى. فبينما ترتكز الهيمنة الأمريكية على إرث طويل من الابتكار وريادة عمالقة التكنولوجيا، تتقدم الصين بخطوات متسارعة مدعومة باستراتيجية وطنية شاملة واستثمارات ضخمة وقدرات تصنيعية هائلة. وقد حذّر جنسن هوانج، الرئيس التنفيذى لشركة إنفيديا، من أن هذا التسارع الصينى لم يعد مجرد احتمال مستقبلى، بل واقعًا يتشكل بسرعة، ما ينذر بإعادة رسم خريطة القيادة العالمية فى مجال الذكاء الاصطناعى خلال السنوات القليلة المقبلة.
• • •
قبل التعمق فى تفاصيل ما طرحه السيد هوانج خلال تلك المقابلة، يجدر بنا التعرف على مسيرته الشخصية والمهنية التى تقف خلف هذا الحضور العالمى المؤثر. وُلد جنسن هوانج عام 1963 لأبوين مهاجرين من أصل تايوانى، وقضى سنوات طفولته بين تايوان وتايلاند قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويحصل على جنسيتها. تلقّى تعليمه فى ولايتى كنتاكى وأوريجون، ثم نال درجة الماجستير فى الهندسة الكهربائية من جامعة ستانفورد. وفى عام 1993، وهو فى الثلاثين من عمره، شارك فى تأسيس شركة إنفيديا، التى لا يزال يقودها رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا منذ ذلك الحين، واستطاع أن يحوّلها إلى لاعب محورى فى صناعة وحدات معالجة الرسومات والحوسبة عالية الأداء (GPUs). ومع سرعة تطور الذكاء الاصطناعى، شهدت إنفيديا تحت قيادته نموًا استثنائيًا جعلها فى صدارة الشركات التكنولوجية عالميًا، حتى أصبحت فى أكتوبر 2025 أول شركة تتجاوز قيمتها السوقية حاجز خمسة تريليونات دولار.
استهلّ السيد هوانج حديثه بطرح رؤيته الجديدة لفهم منظومة الذكاء الاصطناعى، شارحًا إياها فى إطار مبسّط أطلق عليه «الكعكة الخماسية»، التى تتكون من خمس طبقات مترابطة تبدأ بالطاقة، ثم الرقائق الإلكترونية، فالبنية التحتية، فالنماذج، وصولًا إلى التطبيقات. وأوضح أنه إذا نظرنا إلى هذه المنظومة من الأسفل إلى الأعلى، فإن طبقة الطاقة تمثل الأساس الحاسم، مشيرًا إلى أن الصين تمتلك قدرات طاقة تفوق ما تمتلكه الولايات المتحدة، رغم أن الاقتصاد الأمريكى أكبر، وهو ما اعتبره مفارقة لافتة.
أما فيما يتعلق بطبقة الرقائق، فأكد أن الولايات المتحدة لا تزال متقدمة بأجيال فى صناعة أشباه الموصلات، لكنه حذّر فى الوقت نفسه من التقليل من قدرة الصين التصنيعية، مشددًا على أن هذه الصناعة تقوم أساسًا على التصنيع واسع النطاق، وهو مجال تتمتع فيه الصين بخبرة هائلة. وفى ما يخص البنية التحتية، لفت إلى الفارق الكبير فى سرعة التنفيذ، موضحًا أن بناء مركز بيانات متقدم فى الولايات المتحدة قد يستغرق نحو ثلاث سنوات، بينما تتميز الصين بقدرة استثنائية على إنجاز المشروعات الكبرى فى فترات زمنية قياسية «فهم قادرون على بناء مستشفى خلال عطلة نهاية الأسبوع»، الأمر الذى يمثل ــ فى نظره ــ تحديًا حقيقيًا فى سباق الذكاء الاصطناعى العالمي.
ثم انتقل هوانج إلى الطبقتين العلويتين فى منظومته، وهما طبقة النماذج اللغوية وطبقة التطبيقات. فأوضح أن النماذج الرائدة فى الولايات المتحدة لا تزال ــ بلا شك ــ ذات مستوى عالمى ومتقدمة زمنيًا، ربما بفارق بضعة أشهر، غير أنه أشار إلى تفوق الصين الواضح فى مجال المصادر المفتوحة. وأكد أن أهمية المصادر المفتوحة تكمن فى أنها تمثل البنية التحتية غير المرئية لازدهار منظومة الابتكار بأكملها؛ فمن دونها لا تستطيع الشركات الناشئة النمو، ولا يتمكن الباحثون الجامعيون من إجراء تجاربهم، ولا يمكن تعليم تقنيات الذكاء الاصطناعى أو توظيفها على نطاق واسع فى مختلف القطاعات. لذلك رأى أن تفوق الصين فى هذا المجال يمنحها زخمًا إضافيًا فى توسيع قاعدة الاستخدام والتطوير.
أما فيما يتعلق بطبقة التطبيقات، فأشار إلى اختلاف جوهرى فى النظرة المجتمعية إلى الذكاء الاصطناعى بين البلدين؛ إذ إن نسبة كبيرة من المجتمع الصينى تنظر إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها مصدرًا للفوائد والفرص، فى حين تسود فى الولايات المتحدة مخاوف أكبر بشأن آثارها المحتملة. واختتم هوانج هذا المحور موضحًا أن جوهر الذكاء الاصطناعى يتمثل فى الأتمتة ورفع الكفاءة، وأن التفوق فى هذه الثورة الصناعية لن يكون لمن يطور التقنية فحسب، بل لمن ينجح فى تطبيقها أولًا وعلى أوسع نطاق ممكن.
• • •
يكتسب ما طرحه السيد هوانج فى هذا اللقاء أهمية استثنائية، باعتباره شهادة من داخل قلب صناعة الذكاء الاصطناعى العالمية، ومن أحد أبرز صُنّاعها. فالرجل لا يستمد ثقله فقط من موقع شركته الريادى عالميًا، ولا من كونه ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا وثروة فى العالم، بل من كونه فاعلًا رئيسيًا أسهم بصورة مباشرة فى تطوير هذه التكنولوجيا ودفعها إلى واجهة الاقتصاد العالمى. ومن ثمّ، فإن تقييمه يعكس رؤية خبير وصانع قرار فى آنٍ واحد، أى «شاهد من أهلها» لا مراقبًا من خارجها.
وفى الوقت الذى دأبت فيه وسائل الإعلام الأمريكية على التأكيد أن الولايات المتحدة تتقدم بفارق كبير على الصين فى سباق الذكاء الاصطناعي، وأن التفوق سيظل حكرًا عليها، جاءت تصريحات هوانج واقعية وتحذيرية، إذ أقرّ بأن الصين تحقق تقدمًا متسارعًا، وأن القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة قد تدفعها إلى تسريع بناء منظومة تكنولوجية مكتفية ذاتيًا، حيث أنها تمتلك قاعدة ضخمة من الباحثين والعلماء والمهندسين القادرين على تطوير منظومتها المتكاملة، بل وتصديرها لاحقًا إلى العالم بوتيرة سريعة. وحذّر فى ختام حديثه من أن استمرار هذا المسار دون تحرك فعّال قد يقود إلى تحول جذرى فى موازين القوة التكنولوجية، بحيث تجد الولايات المتحدة نفسها فى موقع المستهلك بدلًا من المنتج، والمشترى بدلًا من البائع، فى واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية فى العصر الحديث.
لا يقل أهمية عمّا سبق ما أشار إليه هوانج فى هذا اللقاء حين تناول القدرات البشرية الصينية، والمنظومة التعليمية والعلمية التى تقف خلف صعودها المتسارع فى مجال الذكاء الاصطناعى. فقد أوضح أن تسعًا من بين أفضل عشر جامعات عالميًا فى مجالات العلوم والتكنولوجيا أصبحت اليوم فى الصين، بعد أن كانت الولايات المتحدة تتصدر معظم هذه التصنيفات قبل خمسة إلى عشرة أعوام فقط، معتبرًا أن ميزان التفوق العلمى يشهد تحولًا جذريًا خلال الفترة الأخيرة. وأشار إلى أن نحو نصف باحثى الذكاء الاصطناعى فى العالم من أصول صينية، وأن ما يقارب 70% من براءات اختراع الذكاء الاصطناعى المنشورة فى العام الماضى صدرت عن الصين، وخلص إلى أن بيئة الذكاء الاصطناعى هناك تتسم بالحيوية والثراء والقدرة الابتكارية الاستثنائية، مدعومة بثقافة عمل شديدة الانضباط، ما يجعلها قوة علمية وتكنولوجية هائلة. كما أوضح أن هذه القدرات تتركز بصورة خاصة فى طبقتى النماذج والتطبيقات ضمن منظومة الذكاء الاصطناعى؛ حيث يعمل آلاف العلماء والمطورين على توظيف هذا الزخم المعرفى والتقنى لتعزيز تفوق الصين فى المراحل القادمة.
أنهى هذا المقال، بأننى أرى أن العامل الأهم فيما سبق هو تطوير العامل البشرى بالذات فى مجال التعليم، فهو أساس التقدم ومحور التطور، فالصين سبقت العالم وبدأت فى إعداد وتجهيز العنصر الأهم فى أى منظومة وهو العنصر البشرى، فعلى مدى العقود الخمسة السابقة استمرت الصين ترسل عددًا كبيرًا جدا من طلبتها إلى الجامعات ذات التخصصات الهندسية والتكنولوجية فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية للتعلم فيها والحصول على الشهادات العليا وإجراء الأبحاث على مستوى درجتىّ الماجستير والدكتوراه، وبعد الانتهاء من الدراسة فلا بأس أن يعمل الخريجون فى المصانع ومراكز الأبحاث والمشروعات فى الدولة التى درسوا فيها، ثم يرجعون إلى بلدهم ومعهم العناصر الثلاثة الأكثر أهمية: العلم والمعلومات والخبرة.
الآن تبدو الصورة أكثر وضوحًا، لكن تبقى تساؤلات جوهرية مفتوحة: هل ستسمح الولايات المتحدة للصين بأن تتقدم عليها فى واحدة من أهم تقنيات العصر، إن لم تكن الأهم على الإطلاق؟ وهل يمكن للصين أن تتخلى عن موقعٍ سعت إليه عبر عقود من التخطيط والاستثمار والعمل الدؤوب؟ ثم يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت إجابة هذين السؤالين بالنفي، فما هى ملامح المرحلة المقبلة؟ وأى شكل سيتخذه العالم فى ظل احتدام هذا السباق التكنولوجى غير المسبوق؟


وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق

محمد سالم وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق
التعليقات