يحاصرك التوحش - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2026 6:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

يحاصرك التوحش

نشر فى : الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:40 م | آخر تحديث : الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:44 م

يحاصرك التوحش، بل يقترب منك شيئًا فشيئًا. وفيما تحاول أحيانًا نسيانه أو تناسيه، يأتى من يذكّرك به وبما حدث للكون. يتسلل إلى نفسك وعائلتك ومدينتك، بل ووطنك، ويصبح أقرب مما كنت تتصور. يفصّل حياتك: كيف تفكر، وماذا تقرأ، وأى موسيقى تسمع، ومن هو مطربك المفضل، حتى لو لم يكن يملك صوتًا أو إبداعًا. يتسلل إلى تفكيرك وتاريخك وذاكرتك، ثم يتدخل ليحدد لك ما تأكل، ويحكم قبضته على كل ذلك، فلا تعرف كيف سيكون الغد أو ما هو المستقبل. حتى إن تلك النكتة المتداولة أصبحت أكثر واقعية عندما يسأل الطبيب السيدة الحامل مداعبًا: «ماذا ستنصحين به طفلك القادم؟» فتجيبه: «لا تستعجل.. ابقَ بداخلى، فلا شىء يبعث على الفرح هنا».

  • • •

يأتى التوحش عندما تتراكم الثروة والقوة والمعرفة والغذاء والدواء فى أيدى القلة، فيما يُطلب من الأغلبية أن تتكيف مع ما يُرسم لها، بل أن تصبح تابعة، ربما عبدة، وأن تبدى إعجابها كلما زغللوا عينيها بمنتج أو بما يسمونه اكتشافًا أو اختراعًا جديدًا. منصات تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وعالم سريع لا يملك فيه المرء سوى أن يستهلك ما يُنتج له، ويصدق ما يقال له، ويعيش ضمن المساحة المتاحة له.

  • • •

ولم يعد التوحش يأتى فى شكل جندى أو صاروخ أو مسيّرة أو قذيفة، أو منتج ثقافى محكم الرسالة، ولا يقتحم حياتنا معلنًا عن وجوده. أحيانًا يأتى فى هيئة مشروع تنموى ضخم، أو شركة تكنولوجية تعدك بمستقبل مبهر، أو تطبيق يسهّل حياتك، أو نبتة من الفاكهة أو الخضراوات تبدو مبهرة بقلة بذورها وشكلها الزاهى. نعتاد على كل ذلك، وننسى أن ننْبش فى التفاصيل، إلى أن تنقض علينا بتوحشها البشع.

  • • •

وتعبر عن هذا بشكل واضح كل من ناعومى كلاين وأسترا تايلور فى كتابهما الأخير عن «فاشية نهاية الأزمنة»، الذى يعكس مخاوف كثير من المختصين والعلماء والباحثين على غالبية البشر، فيما تتحكم فئة قليلة تراكم الثروة والقوة دون أدنى اهتمام بما يحدث غدًا.

  • • •

وفيما يقف البعض خائفًا من هذا القادم، يردد آخرون ما علموهم إياه: «ما باليد حيلة»، وكيف نستطيع الوقوف أمام كل هذا السيل؟ لكن فى قرى ومدن صغيرة هناك من يقاوم، على المستوى المحلى البسيط، للحفاظ على الأرض والمياه والزرع، وعلى التاريخ والتراث والثقافة أيضًا والعادات، وعلى البحر والشمس والهواء كما عرفناهم!!!

  • • •

فى تلك الجزيرة الصغيرة فى الفلبين، وقف السكان فى وجه ما يسمى إعمارًا وبناءً ونموًا، وواجهوا الجرافات قائلين: ارحلوا عن أرضنا، لا نريد تنميتكم!!! وفى فلورنسا، وقف الأهالى فى وجه مشاريع رأوا أنها ستغير تفاصيل مدينتهم وحياتهم، ودافعوا عما سموه «حقهم فى ضوء الشمس». قد لا تصل أخبار كهذه إلى المحطات الإخبارية والمنصات الكبرى، لكنها، على صغرها، مهمة فى مواجهة القادم. احتجاجات صغيرة تستحق أن تنتشر على رقع أوسع من العالم، حتى لا نستسلم للعجز الذى يريدونه لنا.

  • • •

حتى الذكاء الاصطناعى، حديث الطفل والشيخ، ومصدر الإعجاب، بل والسيطرة على الكثيرين، هو الآخر مساهم فى هذا التوحش المقيت. فإلى جانب الهيمنة على المعلومة ومحو أو تحوير الكثير، والمساهمة فى القتل والدمار حتى آخر نقطة دم، يساهم فى تدمير البيئة والطبيعة باستهلاك كميات هائلة من الطاقة والماء. فلا عجب أن تتصاعد احتجاجات المجتمعات المحلية فى مدن أمريكية خلال السنتين الماضيتين، لتعطيل أو تأخير عشرات المشاريع لمراكز البيانات.

  • • •

إنها الفاشية الجديدة، مرتدية أزياء حداثية كثيرة البريق. فهل نقف مستسلمين، أم نفعل كما يفعل ذاك الفلاح الفلسطينى أو اللبنانى، يزرع شجرة زيتون كلما اقتلع الصهاينة، وهم أحد أشكال هذا التوحش، شجرة عمرها مئات، بل آلاف السنين؟ ويحضن حفنة من تراب أرضه فى يده حتى تذكّره رائحة الأرض بها، وتبقى هى نابضة فى قلبه وقلبها…

  • • •

ولهذا ربما لم يعد السؤال: كيف سيكون المستقبل؟ بل: هل سنقف نتفرج على آلة توحشهم وهى تسلب إرادتنا وتصنع مستقبلنا؟

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات