لسنا جميعًا بعيدين عن خطاب الكراهية المنتشر كالطاعون تحت مسميات عدة. وإن كنت فى هذه الأوطان التى تراكمت عليها أشكال وأنماط من الاستعمار المباشر وغير المباشر، والتغلغل، وكثير من السرديات المزورة للتاريخ والواقع، المندسة فى ثنايا الخطب والمواعظ الدينية والتقارير الصحفية والنقاشات التى تسمى «موضوعية»، حتى منها ما يدور فى قاعات الجامعات والكليات المنتشرة والمشهورة.
يبقى ذاك الخطاب يطاردك، فتعتاده أو تقاومه، ثم تضيق بك الحلقة حتى تصبح جزءًا من مجتمع، خاص وعام، يردد أقاويل تبدو فى شكلها الخارجى حقًا للشخص فى رأيه الآخر المختلف، بينما تبدأ فى مضمونها بالتلوث التدريجى بكلمات وتجريحات وغمز ولمز، ثم هجوم مباشر. وبعدها يرددون تلك الحكمة التى أصبحت من كثرة استخدامها سمجة ومكررة: «الاختلاف لا يفسد للود قضية».
يحاصرك الكلام البذىء، ويسقط الجميع فى مستنقع لا قعر له. تجلس مع شخص تعرفت إليه للتو فى مطعم صغير بحى هادئ وجميل فى بيروت، المنكوبة بالدم والدمار مع تمسكها ببعض الفرح. يدور النقاش حول واقعنا اليوم، فى مرحلة ربما هى ما يسمى سايكس بيكو الجديدة، فيهمس: لنخفض صوتنا لأن أصحاب المطعم يختلفون مع ما نقوله، أو هكذا فهمت. تأتى السيدة بابتسامتها، حاملة طبق اليوم مع السلطة، مرددة كعادة أهل الشام: «صحتين». نبتسم ونتوقف عن الحديث، لكنها تعود وتجالسنا مع فنجان القهوة لتقول دون مقدمات: «ما خرّب هذا البلد إلا الفلسطينيون والسوريون». ثم تبدأ بسرد ما تتصوره حقائق تاريخية لا شائبة فيها، وهى فى مجملها أحاديث صالونات سابقة، انتقلت اليوم إلى وسائل التواصل الاجتماعى.
بعدها بأيام ألتقى صديقة قديمة مع بعض المعارف، سيدات متعلمات فى أعرق الجامعات، ومعظمهن عشن فى دول فيها بعض الاحترام للحقوق والحريات والقوانين. يبدأ الخطاب ناعمًا بين رشفة قهوة وقضمة من البتى فور، ثم يصبح على المكشوف: هم ونحن، وكيف يحرفون الدين ويدمرون البلاد.. أحترس بصمتى مرة أخرى، وأتساءل: كم من موقف مماثل نعيشه يوميًا؟
ولنبدأ بأنفسنا. عندما اختلفنا فى الرأى، الذى يقولون إنه لا يفسد للود قضية، تمت مهاجمة الكثيرين منا، وخاصة النساء. فالمرأة التى تختلف فى الرأى، أو حتى تملك رأيًا، تصبح مادة خصبة للجيوش الإلكترونية، بل لكثير من أبناء المجتمع ذاته، ومن الطبقة والفئة التى تعلمت فى المدارس والجامعات نفسها، ورحلت بين العواصم والدول وأعجبت بتجاربها فى الحريات، ثم عادت لتمارس كل ما يناقضها فى محاربة المختلف.
خطاب الكراهية ليس جديدًا، بل هو إحدى أهم أدوات الاستعمار. وهناك أمثلة ونماذج فى التاريخ ليس البعيد، من رواندا التى لم تبدأ المذابح فيها بالسواطير، بل سبقها زمن طويل من صناعة الآخر وتجريده من إنسانيته حتى أصبح قتله ممكنًا. وفى غواتيمالا سبقت المجازر ضد شعب المايا سنوات من العنصرية والتخويف وربط السكان الأصليين بالعدو والخطر، حتى يصبح ما سيأتى لاحقًا مبررًا أو مقبولًا. ولعل فرانز فانون كان من أكثر من فهموا مبكرًا كيف يعمل الاستعمار على ذلك؛ فهو لا يحتل الأرض فقط، بل يقسم الناس أيضًا، يعمّق الفواصل بينهم ويصنع عالمًا من «نحن» و«هم»، لأن المجتمع الخائف من بعضه أسهل إخضاعًا من مجتمع يعرف عدوه الحقيقي. وربما هنا تكمن البذرة الأولى للكراهية: الخوف والجهل. نخاف من المختلف لأننا لا نعرفه، ثم يأتى من له مصلحة فى خوفنا ليشرح لنا لماذا علينا أن نكرهه. بعدها لا تعود المسافة بعيدة بين كلمة تقال فى مقهى أو منبر أو شاشة وبين التشهير، ثم التحريض، ثم الرصاصة أو الساطور أو المقبرة الجماعية.
منذ العام 2011 اشتد خطاب الكراهية، لأنه لبس معاطف مختلفة؛ بعضها دينى، وآخر تحت مسمى «الوطنى». وتنافس الجميع: من يحب الوطن أكثر؟ حتى أصبح الوطن نفسه مادة مبتذلة لكل من شاء أن ينافق هنا أو يشتم هناك.. كله باسم الوطن المسكين.
تعترض على حرب الإبادة فى غزة فيقفون معك، ولكنهم يغمزون بأن هذا الفصيل هو السبب. وعندما تواجه المشروع نفسه فى لبنان تشتد سخونة الخطاب: «هم لا يشبهوننا»، وتنظيمهم هو من دمر البلد.!
وهكذا يتحول الفضاء العام إلى حلبة لمطاردة كل من لا يقول ما أراه أنا. لا تعود المواجهة مع الفكرة، بل مع صاحبها: فى عرضه، وسمعته، ورزقه، وعائلته وتاريخها. تُنبش قبور الراحلين، وتُفتح ملفات معظمها لا يمت للواقع بصلة، ثم تأتى التهمة الجاهزة: «أنت لا تحب وطنك» أو «أنت مع ذاك العدو البعيد الذى خلقوا منه البعبع» أو حتى «مع النظام البائد بعد سقوطه»!
كل ذلك لأنك لم تتحول إلى ببغاء، ولم تنضم إلى القطيع، أو فقط لأنك ما زلت تحاول أن تنبش خلف الخبر والكلمة والابتسامة.. وأن تقول شيئًا مختلفًا، قد يكون مخطئًا وقد يكون محقًا. لكن منذ متى كانت الكلمة تُواجَه بالرصاصة، والرأى بالتشهير، والاختلاف بقطع الأرزاق؟!
كاتبة بحرينية