حين تصبح المدرسة هدفًا للإبادة! - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 8:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

حين تصبح المدرسة هدفًا للإبادة!

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2026 - 6:40 م

«التعليم هو السلاح الأقوى الذى يمكنك استخدامه لتغيير العالم».

نيلسون مانديلا

مرّ الخبر، كما غيره، سريعًا ومختصرًا، بل حُشر بين مجموعة من المواضيع والأحداث الأخرى، وفى الختام يستحوذ الفنانون والفنانات، سواء فى حفلاتهم أو حتى جولاتهم، أو طلاقهم، أو إنجابهم، أو حملهم، على المساحة الأكبر. كل هذه الأخبار يُعاد تداولها سريعًا ويعلّق عليها المشاهدون والمستمعون والقراء فيما بينهم.

• • •

أما ذاك الخبر الذى قال إن الطيران الإسرائيلى عاد مرةً ومرات، بعد أن لم يترك حجرًا فوق حجر، ولا شجرةً، ولا مزرعةً، ولا حتى ملامح للأرض وما عليها فى جنوب لبنان، فقد عاد ليبيد كل المدارس. يطاردها الواحدة تلو الأخرى، ويعيد الكَرَّة حتى لا تبقى سبورة، ولا طبشور، ولا قلم، ولا ورقة.

• • •

هذه حربٌ على الحياة فى كل تنوعاتها؛ فهم يقولون: لن تستطيعوا أن تعودوا، حتى لو حاولتم. فبعد أن عاد بعض أهل الجنوب اللبنانى لتفقّد ضياعهم وبلداتهم، وبحثوا بين الركام وخلف الركام عن أى علامة صغيرة تشير إلى أن هنا كان بيتهم العامر بالحياة بكل تنوعاتها، وبعد أن يئسوا هم وجيرانهم، قرروا أنهم سيعودون حتمًا رغم كل شىء، وسينبشون الأرض من جديد لرسم حدود وتضاريس البيوت والجوامع والكنائس، والمقاهى، والمستشفيات، والمدارس. فهم، كما الفلسطينيون، يعلمون أن خلاصهم فى تعليم أبنائهم، فتربى جيلٌ خلف جيل يرحل مبكرًا لطلب العلم. ولذلك لم يكن استهداف المدارس تفصيلًا فى الحرب، بل هدفًا بحد ذاته ضمن مشروع إبادتهم.

• • •

بقوا هم، كما أهلهم وأهلنا فى غزة، يعرفون أن الصمود والبقاء أصعب بكثير، ولكنهم قسموا الأدوار؛ فهنا من يزرع وينتج، وهناك من يرحل ليرسل ما يستطيع من دعم لأهله وأقاربه، فتبقى الحياة، وتُعمر الضياع والبلدات وتكبر وتتوسع...

• • •

بل إن أهل الجنوب وغزة علّمًا العالم كيف يسرقون الضحكة من بطن الوجع، وكيف يحافظون على علمهم ومعرفتهم، ويتسابقون لينقذوا الكتب وينالوا الشهادات. ألم يثر فينا جميعًا ذاك المشهد على شاطئ غزة، والطلاب الغزّاويون يقدمون امتحاناتهم بمستوياتها المختلفة؟ وصديقتى تقول لى إنهم هناك متعطشون إلى المعرفة والعلم، إلى درجة أن أى مشروع يُقدَّم يتهافت عليه الكثيرون، وهم بالطبع محاصرون بين البحر والقذيفة، بأمعاءٍ خاوية، يبحثون عن كسرة خبز هنا، أو بعض الأسماك، إذا لم تطاردهم قوارب الإبادة المنتشرة فى المتوسط، والمستبيحة للبحر والسماء فى فلسطين ولبنان وسوريا والأردن وما بعدهم!

• • •

هم يكررون أمام عدسات الكاميرات وفى المحافل الدولية أن الفلسطينيين والعرب يربون أبناءهم على كراهية «اليهود»، ويرددونها مرةً ومرات، ويتبعونها بأنها معاداة للسامية. ولكن هذه السردية تحطمت أمام حرب الإبادة فى غزة وجنوب لبنان، حتى أصبح العالم أكثر وعيًا، ربما إلا البعض هنا وهناك، ومنهم بعض الناطقين باللغة العربية والمنتمين إليها!

• • •

وكانوا، حتى وقت قريب، بل وإلى الآن، مستمرين فى الضغط لتغيير المناهج فى المدارس من المحيط إلى الخليج. يريدون أن يمحوا حتى من كتب الدين ما ذُكر عن بنى صهيون. وقد استطاعوا، بدعم ومساعدة كثير من الداعمين لهم من المستعمرين القدامى والجدد، تغيير المناهج فى كثير من الدول العربية، بعضها تحت تسميات مثل التحديث والتطور والتقدم، أو حتى فقط نبذ «التطرف»، ذاك الذى ارتبط بالمسلمين والعرب، أى التطرف والإرهاب، فيما لا يبتعدون كثيرًا عن غرف صنع القرار فى تل أبيب، بل وعن كثير من الصهاينة الجالسين يستمتعون بقتل طفل، وتدمير منزل، وترهيب شعب بأكمله.

• • •

هم يغيرون مناهجنا، ونحن نرى كمية الكراهية التى تُدرَّس لأطفالهم منذ السنوات الأولى، والتى تربى عليها جيل بعد جيل، حتى تحولوا جميعًا إلى صهاينة يعشقون القتل و«ابتكار» وسائل التعذيب والموت، بل هم أكثر شرًّا من كل ما قيل فى الكتب السماوية عن الشيطان والشياطين الذين حذّر منهم الرسل والأنبياء.

• • •

بهدمهم المدارس يدركون أن العودة صعبة على أهل الأرض؛ لأنهم قد يسترون أنفسهم تحت خيمة، ويتزودون ببعض الزعتر المزروع أمامها، وزيتٍ من زيتون أرضهم، إذا بقى من تلك الأشجار الأكثر قدمًا من كيانهم المستهجن المريض. يعرفون أنهم يستطيعون أن يتحملوا كل صعوبات الحياة بين بقايا منازل وأحلام وحيوات وضحكات، ولكنهم أيضًا يدركون أن المدينة والضيعة لا تستقيم فيهما الحياة دون مدرسة؛ فالمدرسة ليست مبنى إسمنتيًا، بل إعلان بأن المستقبل ما زال ممكنًا رغم حرب إبادتكم.

• • •

ومن هنا استغل المستعمر القديم هذه الحقيقة، وتعلم منها الصهاينة الذين تفوقوا عليه. فهى سياسة طالما اتبعها المستعمرون، ثم تعلم منها المستعمر الجديد، بل تجاوزها قسوة؛ إذ لا مدينة تُعمر دون مدرسة، ولا قرية تنمو دونها أيضًا.

• • •

هل نستوعب سياساتهم ومخططاتهم التى لا حدود لها ولا سقف؟ فالذين يخشون العلم، لا يدمرون المدارس عبثًا، بل يخشون الإنسان الذى تبنيه المدرسة!

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات