قد تساعد أداة للذكاء الاصطناعى طبيبًا على التشخيص، وتختصر ساعات من عمل موظف، وتزيد أرباح شركة. لكن هل يستفيد الجميع بالقدر نفسه؟ هذا هو السؤال الذى ينبغى أن يشغل الحكومات والشركات والمواطنين فى المنطقة العربية. فهذه التقنية لا تغيّر طريقة العمل وحدها، بل تغيّر أيضًا توزيع الدخل والنفوذ: بين الدول، وداخل كل مجتمع، وبين المنطقة والقوى العالمية.
ويمكن لاقتصادٍ أن ينتج أكثر بفضل الذكاء الاصطناعى، فيما تتّسع الفجوة بين أغنيائه وفقرائه، وتتكدّس ثروات ضخمة بيد حفنة صغيرة من الأشخاص، كما هو الأمر فى الولايات المتحدة اليوم. وقد تستضيف دولةٌ مراكز بيانات ضخمة، من دون أن تمتلك البرامج التى تعمل داخلها أو تحصل على نصيبٍ كافٍ من أرباحها. لذلك لا يكفى أن نسأل كم نستثمر فى هذه التقنية؟ الأهم: من يستطيع استخدامها؟ من يملكها؟ ومن يجنى عوائدها ويدفع تكلفتها؟
لفهم ذلك، يكفى تتبّع ما يحدث وراء شاشات الهواتف والحواسيب. فالخدمة التى تجيب عن أسئلتنا تحتاج إلى كهرباء، ورقائق متقدّمة، وحواسيب داخل مراكز بيانات، وبرامج تتعلّم من كميات هائلة من النصوص والصور والمعلومات. وتتوزّع ملكيّة هذه العناصر بين جهات مختلفة. واستضافة الحواسيب تجلب استثمارات وخدمات، لكنها لا تعنى امتلاك المعرفة التى تشغّلها. لكنّ الفائدة المحليّة تزداد فقط حين يستطيع المهندسون والشركات والجامعات تطوير تطبيقات تخدم المجتمع، والاحتفاظ بحصّة حقيقيّة من الدخل والملكية الناتجين عنها.
تدخل الدول العربية هذا التحوّل بإمكانات متفاوتة. فالإمارات والسعودية وقطر تملك المال والطاقة والقدرة على عقد شراكات عالمية. وتستفيد مصر وجيبوتى وعُمان من مواقعها على مسارات كابلات البيانات. وتملك مصر والمغرب والجزائر والعراق أسواقًا واسعة وقطاعات إنتاجية يمكن أن تستفيد من التقنية. وفى الأردن وتونس ولبنان، تشكّل الجامعات والمبرمجون والكفاءات المهاجرة موردًا مهمًا. أما سوريا واليمن والسودان وفلسطين والصومال، فتواجه احتياجات كبيرة تعرقل تلبيتها الحروب أو ضعف البنية الأساسية والمؤسسات.
هذه المزايا متداخلة، وليست ترتيبًا ثابتًا للرابحين والخاسرين. فالمال يستطيع شراء الحواسيب أسرع مما يستطيع بناء خبرة علمية. وكثرة الشباب لا تتحوّل تلقائيًا إلى فرص عمل. ومرور الكابلات عبر بلد لا يضمن أن يجد سكانه إنترنت جيدًا بسعر مناسب. يتوقّف الأمر على التعليم والبحث والمنافسة، وعلى ربط الاستثمار بحاجات الاقتصاد المحلى.
وتربط أسواق العمل مصائر هذه البلدان بعضها ببعض. فإذا حلّت البرامج محلّ بعض المهام المكتبية والخدمية فى الخليج، فقد يتراجع الطلب على فئات من العمالة الوافدة، أو تضعف قدرتها على التفاوض على الأجور والإقامة. هكذا يصل الأثر إلى عائلات فى بلدانٍ أخرى تعتمد على تحويلات أبنائها، وإلى اقتصادات تحتاج هذه الأموال لتمويل استهلاكها ووارداتها. فى المقابل، قد يفتح العمل عن بُعد أبوابًا جديدة لتصدير الخدمات، إذا توفّرت المهارات والاتصالات اللازمة.
وتختلف فرص الاستفادة أيضًا، داخل البلد الواحد. فالموظف الذى يتعلّم استخدام هذه الأدوات قد ينجز عمله بكفاءةٍ أعلى، والطبيب أو المعلّم قد يجد فيها عونًا مهنيًا. لكن الشركات الكبرى أقدر غالبًا على شراء الخدمات وتدريب العاملين وإعادة تنظيم العمل. أما المشروع الصغير فقد يجد نفسه يدفع اشتراكات متزايدة لمنصّات أجنبية يصعب الاستغناء عنها.
ولا يعنى تعرّض مهنةٍ للذكاء الاصطناعى أنها ستختفى بالكامل؛ فكثيرًا ما تتغيّر بعض مهامها أولًا. والسؤال هو ما يحدث للعامل بعد ذلك: هل يحصل على تدريبٍ وأجرٍ أفضل؟ أم يُطلب منه إنتاج المزيد بالأجر نفسه؟ أم يفقد عمله؟ وتشتدّ المخاطر على العاملين بلا حماية اجتماعية، وعلى النساء خاصّةً، حيث تتقاطع هشاشة العمل مع ضعف الوصول إلى التقنية، وعلى سكان المناطق الريفية المحرومة من الاتصال الجيد.
فى الزراعة، مثلًا، يمكن للتطبيقات أن تساعد المزارع على تحديد موعد الرى واكتشاف المرض مبكرًا. لكن فائدتها تتراجع إذا كانت كلفتها فوق طاقته، أو أصبحت بيانات مزرعته تحت سيطرة شركة لا يستطيع تغييرها. وفى الصناعة، قد تحسّن الآلات الذكية الجودة وتقلّل الأعطال، لكن استيرادها لا يبنى خبرة محلية ما لم يصاحبه تدريب وقدرة على صيانتها وتطوير استخدامها.
وفى الصحة، قد يصل الدعم الطبى إلى مناطقٍ بعيدة، لكن البرنامج قد يُخطئ إذا لم تُمثّل بيانات تدريبه سكانها تمثيلًا كافيًا ودون طبيبٍ محلّى ذى معرفة يراجع استنتاجاتها. وتبقى حماية معلومات المرضى والاستثمار فى الأطباء والمرافق ضروريين. كذلك تستطيع البرامج تسريع دراسة طلبات المساعدات الاجتماعية، لكنها قد تستبعد أسرة مستحقّة بسبب بيانات ناقصة. عندها يجب أن يعرِف المواطن سبب القرار، وأن يجد شخصًا يراجعه وجهةً يتظلّم أمامها.
ويتجاوز الأمر جودة الخدمات إلى الحريات. فالأدوات التى تساعد الحكومة على تحسين المرور والتخطيط يمكن أن تُستخدَم أيضًا لتتبّع المواطنين ومراقبتهم على نطاقٍ واسع. لذلك ينبغى أن تقترِن قدرة الدولة على جمع المعلومات بضوابطٍ على استخدامها وبرقابةٍ مستقلّة عليها. وليست كفاءة الإدارة مبرّرًا لإعفائها من المساءلة.
أما كابلات البيانات فتتيح فرصًا مختلفة. إذ يمكن لمصر وجيبوتى وعُمان أن تستفيد من موقعها بما يتجاوز عوائد العبور. ولليمن أيضًا موقع استراتيجى قرب طرق الاتصال البحرية، وإن كانت الاستفادة منه مشروطة بالأمن والبنية الأساسية. والفكرة شبيهة بربط ميناءٍ بحرى بالمصانع: تصبح قيمته للاقتصاد أكبر حين يساند الإنتاج، بدلًا من الاقتصار على مرور البضائع.
فى المجال الرقمى، يعنى ذلك ربط محطّات وصول الكابلات بمراكز البيانات والجامعات والشركات، وإنشاء نقاط تتبادل فيها الشبكات بياناتها محليًا لتقليل الحاجة إلى مسارات بعيدة. وتحتاج هذه الخطوات إلى أسعار تنافسية واتصالٍ موثوق، وتدريب مهندسين، وإتاحة خدمات الحوسبة للباحثين والمشروعات الناشئة. كما يتطلّب أمنها مسارات بديلة حتى لا يؤدّى انقطاع واحدٍ إلى تعطّل خدمات واسعة. هكذا يمنح مرور بيانات العالم عبر بلدٍ فرصة؛ لكنّ تحويلها إلى صناعة يحتاج سياسةً متكاملة.
ولهذه الصناعة كلفةٌ ملموسة، مهما بدت خدماتها «افتراضية». فالحواسيب تستهلك الكهرباء، وتحتاج أنظمة تبريدها إلى كميات كبيرة من المياه الحلوة، ثم تتحوّل المعدات المتقادمة إلى نفايات إلكترونية. فمن يدفع هذه التكاليف؟ وهل يتمّ توسيع شبكة الكهرباء لخدمة هذه التقانة والأهالى معًا؟ وهل تُستخدَم مياه الشرب النادرة حيث تتاح بدائل للتبريد؟ يجب أن تدخل هذه الأسئلة فى حساب الجدوى منذ البداية، إلى جانب الأرباح المتوقّعة.
وتحضر السياسة الدولية فى كلّ هذه الخيارات. فالاعتماد على مورّدٍ للرقائق أو للخدمات السحابية، أى استئجار قدرات الحوسبة والتخزين عبر الإنترنت، قد يخلق تبعيّة للخارج يصعب الخروج منها. والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين تجعل اختيار الشريك التقنى قرارًا سياسيًا أيضًا. ويمنح تنويع الشركاء هامشًا أوسع، لكنه لا يُغنى عن بناء الخبرة المحلية والتحكّم فى العقود والبيانات.
وتؤثّر أوروبا عبر أسواقها ومعاييرها لحماية البيانات وتنظيم التقنية. ويمكن الاستفادة من هذه المعايير مع مراعاة كلفة تطبيقها على الشركات الصغيرة. أما التعاون مع إسرائيل، فى سياق «الاتفاقيات الإبراهيمية»، فيطرح أسئلةً تتجاوز الاستثمار، خصوصًا فى الأمن السيبرانى والمراقبة والتكنولوجيا العسكرية: من يصل إلى البيانات؟ ولأى غرض؟ وكيف تُفصَل هذه الشراكات عن الحقوق الفلسطينية والحروب القائمة؟
تلتقى هذه القضايا عند تحدٍّ واحد: تحويل الاستثمار إلى قدرة إنتاجية تعود بالنفع على الناس، مع توزيعٍ عادلٍ للمكاسب والتكاليف، وحماية الحقوق والموارد والأنظمة الحيوية. لكن يصعُب على كل بلد مواجهة هذه المهمة منفردًا. لذلك يمكن، كما فى أوروبا، البدء من «ميثاق عربى للذكاء الاصطناعى» عبر خطوات عملية: ربط مراكز الحوسبة وإتاحة جزء من خدماتها للجامعات والشركات الناشئة بأسعارٍ زهيدة، وإنشاء مجموعات بيانات عربية مشتركة ومحميّة تحترم حقوق أصحابها، وتوزيع مجالات البحث والتخصّص بين البلدان.
كما يُمكِن أن يشمل التعاون حماية الكابلات وتبادل الخبرة فى مواجهة الهجمات الإلكترونية، وتمويل تدريب من تتغيّر وظائفهم وحمايتهم اجتماعيًا، ووضع ضمانات ومعايير «أخلاقيّة» مشتركة للخصوصية والتظلّم، والتفاوض الجماعى مع الشركات العالمية. ويُقاس نجاح كلّ ذلك بقدر ما يتيح للبلدان والفئات الأقلّ قدرةً فرصًا فعلية للمشاركة.
فى النهاية، لا يُقاس الربح بعدد مراكز البيانات وحده، بل بما تضيفه إلى حياة الناس: عملٌ أفضل، وعلاجٌ وتعليمٌ أيسر، وشركاتٌ محليّة قادرة على النمو، وحقوقٌ يمكن الدفاع عنها. والسؤال الذى ينبغى أن يرافق أى مشروع هو: ماذا سيكسب المجتمع منه، ومن سيضمن وصول هذه المكاسب إليه، فى كلّ بلدٍ وعلى مستوى العالم العربى؟
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب