الضوء الأخضر وظلاله القاتمة - سمير العيطة - بوابة الشروق
الإثنين 20 يوليه 2026 3:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

الضوء الأخضر وظلاله القاتمة

نشر فى : الأحد 19 يوليه 2026 - 9:00 م | آخر تحديث : الأحد 19 يوليه 2026 - 9:00 م

فى مقابلةٍ أثارت موجاتٍ من التساؤلات والتأويلات، تحدّث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن «ضوءٍ أخضر» يمكن أن يمنحه للسلطة الانتقالية السورية للتدخّل فى لبنان، مشيرا إلى أنّها ستتعامل مع ملفّ حزب الله بطريقةٍ مغايرة، أكثر دقّةً وبُعدا عن الهدم. وأضاف أنّه «يعلم أنّ الرئيس الانتقالى الشرع يرغب فى ذلك». وجاء التصريح مصحوبا بهديةٍ دبلوماسية لدمشق، إذ طالب ترامب الكونجرس الأمريكى برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.


• • •
بيد أنّ هذا التصريح، فى ظاهره الإيجابى تجاه دمشق، ينطوى على ما يناقض مساعيها الداخلية الاقتصادية الحثيثة. فكيف يمكن لمستثمرٍ محلى أو أجنبى أن يضخّ أمواله فى بلدٍ يُوعَد بالانزلاق إلى حربٍ مجهولة المآلات؟ ولعلّ هذا ما دفع السلطة السورية إلى الردّ سريعا بنفى أى نيّة للتدخّل فى لبنان.


لفهم أبعاد هذا التصريح، لا بدّ من قراءة طبقاته المتعدّدة. فالرسالة الأولى موجّهة إلى الرأى العام الأمريكى والعالمى المصدوم من حجم الدمار الذى تلحقه إسرائيل بقرى جنوب لبنان؛ تدميرٌ يشابه ذلك فى غزّة، ويتجاوز ما شهده لبنان حتى خلال سنوات الاحتلال الطويلة فى ثمانينيات القرن الماضى وتسعينياته. وقد اقترن التدمير الحالى بتهجيرٍ ممنهجٍ للسكان، وتهديداتٍ إسرائيليةٍ صريحة بفرض سيادتها على الجنوب بوصفه «منطقة آمنة»، فيما يذهب بعض المسئولين الإسرائيليين إلى الحديث حتى عن توسّعٍ مرتقب، بينما يسعى آخرون إلى فرض وصايةٍ شاملة على الدولة اللبنانية عبر مفاوضاتٍ مختلّة التوازن.


أمّا الرسالة الثانية فتتّجه نحو تل أبيب ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تحديدا: الولايات المتحدة لن تستطيع تغطية تدميرٍ وتمدّدٍ إسرائيلى غير محدود فى لبنان تحت ذريعة القضاء على حزب الله. والأهمّ من ذلك أنّ ترامب - لا نتنياهو - هو من يمسك بزمام إعادة ترتيب المنطقة، بما فى ذلك إدارة الملف الإيرانى وتداعياته. وقد كشف السجال العلنى غير المسبوق بين نائب الرئيس ج. د. فانس والمسئولين الإسرائيليين عمق هذه الرسالة وحدّتها.


وتكتمل صورة اللعبة بالرسالة الثالثة، الموجّهة إلى بيروت مباشرةً: إمّا التوصّل إلى اتفاق سلامٍ وتعاون مع إسرائيل وفق الشروط الأمريكية، وإمّا فتح الباب أمام تدخّلٍ سورى جديد فى لبنان. وقد سبق المبعوث الأمريكى توم باراك رئيسه بالتلويح بهذا الاحتمال، بل بالتلميح إلى إمكانية تغيير الجغرافيا السياسية للبلد.


• • •
تكشف تصريحات ترامب عن استراتيجيةٍ مركّبة طويلة الأمد، ليس فقط تجاه طهران، تقوم على مزيجٍ من الضغط العسكرى والدبلوماسى الهادف إلى إخضاع إيران وتحييد أذرعها الإقليمية، بل تجاه المنطقة برمّتها. ولا يتورّع ترامب عن الإجهار بأنّه هو من يحدّد شكل الحكومة فى العراق، وهو من يقود المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، وهو من أسهم فى إيصال السلطة الحالية فى سوريا إلى مقاليدها، بصرف النظر عن الموقف المعادى الذى يتّخذه نتنياهو منها حفاظا على هامشٍ للتوسّع الإسرائيلى فى الأراضى السورية حين تسنح الفرصة.


تندرج فى هذا الإطار التوازنات التى يسعى ترامب إلى رسمها: موازنة النفوذ الإسرائيلى بنفوذٍ تركى متنامٍ فى سوريا ولبنان معا، لا سيّما أنّ أى تدخّل سورى محتمل فى لبنان لن يتحقّق دون ضوء أخضر ودعم تركى صريح، مما يعنى أنّ أنقرة ستكون شريكا أساسيا فى أى ترتيبٍ إقليمى قادم. كما لن يكون ذلك ممكنا دون إشغال الفصائل الشيعية العراقية وتحييدها، وهو ما تشير بعض المعطيات إلى أنّه يجرى فعلا، بما فى ذلك من خلال استنزافها فى مناوشاتٍ إقليمية تُبعدها عن الساحتين السورية واللبنانية.


• • •
جغرافيا وسياسيا، يُمثّل شمال لبنان - وعكّار تحديدا ثم طرابلس - البوابة الأيسر ولوجا لأى تدخّل سورى محتمل، نظراً لما تحظى به السلطة فى دمشق من حاضنةٍ شعبية فى تلك المناطق. ويستحضر هذا الاحتمال ذاكرة عام 1976، حين بدأت التدخّلات العسكرية السورية فى لبنان، بالضبط هناك، عبر «جيش التحرير الفلسطينى». غير أنّ البقاع قد يكون الهدف الاستراتيجى الأثمن، نظراً لصعوبة وصول القوات الإسرائيلية إليه مقارنةً بالجنوب.


بالطبع، هناك أحقاد نشأت بين الفصائل المقاتلة التى يتشكّل منها الجيش السورى الحالى وبين حزب الله، بل بين السنيّة والشيعية الجهادية، خلّفتها الحربان الأهليتان العراقية والسورية. وبالطبع، هناك خلافاتٌ داخلية لبنانية مزمنة يعتمد فيها كل طرفٍ على أطرافٍ خارجية للتدخّل لصالحه، بل لتقويض الطرف الآخر. كما رُفِعَت، نوعاً ما، الشيطنة عن الجهادية السنية، فى حين ما زالت الشيطنة قائمةً على الجهادية الشيعية.


أمّا حسابات ما بعد أى مواجهة محتملة، فتتمحور حول تركيبة الدولة اللبنانية التى ستنبثق عنها. واللافت فى هذا السياق هو تراجع دور القيادة السنية التقليدية ممثّلةً بآل الحريرى، إذ غاب، بشكلٍ لافت، اللقاء مع أحدٍ منهم خلال زيارة وزير الخارجية السورى الانتقالى الأخيرة لبيروت، والتى كانت ذات طابعٍ تطمينى.


• • •
فى خضمّ هذا كلّه، يتوجّه الرئيس اللبنانى إلى واشنطن للتفاوض فى ظروفٍ بالغة الدقّة والحساسية؛ فالاتفاق الإطارى الذى تمّ توقيعه الشهر الماضى لا يحظى بإجماعٍ وطنى، وتعارضه قياداتٌ سياسية وطائفية وازنة. يُضاف إلى ذلك أنّ السجالات الداخلية المتواصلة تُضعِف وحدة الموقف اللبنانى فى لحظةٍ تستوجب أقصى درجات التضامن الوطني.


وبينما تستعدّ سوريا لاستقبال الأمين العام للأمم المتحدة، يبقى المشهد الداخلى السورى فى طور البناء والترسيخ؛ فالاستقرار الاجتماعى والمناطقى ما زال بعيدا عن أن يكتمل، فضلاً عن أنّ بناء مؤسسات دولة قادرة على نشر الأمن وإرساء المساواة وتحقيق العدالة يتطلّب مسيرةً أكثر جدية.


بيد أنّ ثمّة توافقا شعبيا عميقا يتجاوز كل الانقسامات السورية؛ فبعد أربعة عشر عاما من الحرب والمعاناة، لا يريد السوريون - على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم - العودة إلى دوّامة الصراع الداخلى، ولا الانزلاق فى مستنقع حروبٍ مع الجيران، ولبنان فى مقدّمتهم. يريدون، كما يريد اللبنانيون أنفسهم، أن يعيشوا ويبْنوا ويتعافوا فى وطنهم - كلّهم، فى كل ربوع وطنهم - بعيداً عن الألاعيب الكبرى التى طالما دفعوا ثمنها، كما دفعها السوريون.


وربّما كانت هذه الإرادة الشعبية المشتركة، فى سوريا ولبنان معا، هى الورقة الأثمن فى مواجهة كل الأضواء الخضراء وظلالها القاتمة.


رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات