حرب الخليج الثالثة.. استنزافٌ بلا حسم... ومَن يجنى الأرباح؟ - سمير العيطة - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 8:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

حرب الخليج الثالثة.. استنزافٌ بلا حسم... ومَن يجنى الأرباح؟

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م

تشهد المنطقة اليوم ما يمكن وصفه «بحرب الخليج الثالثة»، التى تأتى بعد حروب 1991 و2003، لكنها تختلف عن سابقتيها فى طابعها وطول أمدها وتعقيداتها. فقد بدأت هذه الحرب فعلًا منذ أكتوبر 2023، ومّرت بمراحل متعددة. ففى مراحلها الأولى، حققت إسرائيل انتصارات على غزة ولبنان دون أى تدخّل فعال لوقف أهوالها، بينما تغيّر المشهد جذريًّا فى سوريا. ثم انتقلت الحرب إلى مرحلة جديدة منذ فبراير 2026، شملت إيران ودول الخليج العربى، ولا تزال مستمرّة على الرغم من المفاوضات الجارية لإيجاد حلول ٍلها وآليات لـ«خفض التصعيد». فما هى التطلّعات بشأن مآلاتها؟

• • •

فى بداية هذه المرحلة الأخيرة، التى أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم «عملية الغضب الملحمى، كان المتوقّع أن تُعلِن إيران، بعد اغتيال قادتها الرئيسيين، استسلامها الكامل للولايات المتحدة، على غرار اليابان فى الحرب العالمية الثانية، أو أن تنفجر صراعاتها العرقية الداخلية فى حربٍ أهليّة تؤدى إلى تقسيمها. لكن لم يحدث شىء من ذلك. فقد استمرّت إيران، رغم إضعافها الشديد، متماسكة، تعالج الحرب والتفاوض معًا بدقة ملحوظة، بل حوّلت الحرب إلى أزمة عالمية من خلال إغلاق مضيق هرمز والمفاوضة حول مستقبله، وهو ما يعنى أن «دولتها العميقة» ما زالت قائمة.

لم يتحقق «النصر الحاسم» إذا، ودخلت الحرب فى مراحل متتالية من التصعيد والتهدئة، بسبب قيودٍ عدّة فرضت على كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، من بينها محدودية مخزون الذخائر، وضغط الرأى العام الداخلى، وحسابات التحالفات الإقليمية والدولية. ولفت الانتباه أن حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، هما السعودية وتركيا، قدما تعازى رسميّة لإيران فى مأتم المرشد الأعلى على خامنئى.

ولكن يبقى التساؤل قائمًا عمّا كان يمكن أن يترتّب على «نصرٍ حاسم» واستسلام إيران؟ هل كانت الولايات المتحدة ستعيّن حاكمًا أمريكيًا للبلاد، كما فعلت عند غزوها العراق؟ وهل كانت ستكرِّر الأخطاء نفسها فى تفكيك الدولة، التى أدّت آنذاك إلى ظهور تنظيم داعش؟ أم أنّها كانت ستعمل على نهوض إيران اقتصاديًا واستراتيجيًا وتقنيًا، على غرار ما فعلته مع اليابان، لتوظيف إمكاناتها لاحقًا فى صراعاتٍ مستقبلية؟

وربّما هنا يكمُن جزءٌ من الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول مآلات الحرب. فإسرائيل لن تقبل بوجود دولةٍ يمكن أن تنافسها فى المنطقة، حتى لو كان المنافِس اقتصاديًا وتقنيًا فحسب، ولا حتّى تركيا، عضو حلف الناتو. هذا انطلاقًا من استراتيجية «التفوّق النوعى» على دول المنطقة، منفردة أو مجتمعة، التى تبنّتها إسرائيل منذ نشأتها والتزمت بها الولايات المتحدة عبر تشريعات صاغها الكونجرس.

كذلك يُمكِن لهكذا «حسم» أن يُنهى حالة الاستقطاب السنى ــ الشيعى فى المنطقة، ليعيد الأمور إلى مركزية القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلى. وليس من قبيل الصدفة أن تدخل باكستان ــ القوة النووية وصاحبة أكبر تجمّع سكانى شيعى بعد إيران ــ على خط الصراع والمفاوضات لحلّه. وفى الوقت نفسه، فى حين تبنّت إسرائيل والولايات المتحدة فكرة تحالفٍ «هندى ــ إبراهيمى»، يضمّ حاليًا الهند (الخصم التاريخى لباكستان) وربما دولة عربية، كمحورٍ لإعادة صياغة الترتيب السياسى والاقتصادى للمنطقة، بما فى ذلك ترتيبات ما بعد «الحسم».

إلاّ أنّ ما يجرى فعليًا هو سيناريو «حرب استنزاف»: تذبذب متكرر بين «شبه حرب» و«شبه سلام»، دون أى جدوى فعلية من مذكرة التفاهم التى تمّ توقيعها بالتفاوض. لكن جميع الأطراف، دون استثناء، تستنزف.

• • •

إيران تستنزف، فقد تجاوزت تقديرات خسائرها الاقتصادية 140 مليار دولار، ووصل التضخم فيها إلى مستويات يصعب احتمالها. والولايات المتحدة تستنزف، فقد طلب البنتاجون اعتمادًا تكميليًا بقيمة 200 مليار دولار لتعويض الذخائر والمعدات، فيما تناقش الميزانية الدفاعية لعام 2027 مبلغًا قياسيًا يقارب 1٫5 تريليون دولار، سيعود جزءٌ منه لتعويض الاستنزاف الإسرائيلى. ودول الخليج العربية تستنزف خلال الحرب، عدا أنّها موعودة بدفع قيمتها بعد انتهائها. ومصر تستنزف، مع تراجع إيرادات قناة السويس بشكلٍ حادّ. والعراق يستنزف، مع تعطّل مرفئه الوحيد. والاقتصاد العالمى يستنزف، مع تراجع كميات الأسمدة المتاحة وتأثير ذلك على الإنتاج الزراعى، ومع تعطيل إمدادات الهليوم القطرى الضرورية لصناعة أشباه الموصلات، إلخ. ودول آسيا تستنزف مخزونها من النفط والغاز.

بيد أنّ هناك مستفيدين من هذا الاستنزاف، وكلّما طال أمده، ترسّخت مصالح مؤسّسيّة فى استمراره: شركات النفط والغاز الأمريكيّة التى باتت أوروبا وآسيا تعتمدان عليها بشكلٍ كبير، خاصّةً بعد العقوبات على روسيا؛ وشركات الصناعات العسكريّة الغربيّة التى بلغت أرباحها أرقامًا قياسيّة، مع تزامن استنزاف «حرب الخليج الثالثة» مع استنزاف الحرب الروسية ــ الأوكرانيّة؛ ومعها الصناعات التقنيّة والعسكريّة الإسرائيليّة التى يجرى العمل حاليًّا على دمج تمويلها مع نظيرتها الأمريكيّة؛ فضلًا عن قياداتٍ سياسيّة أمريكيّة وأقربائها وأصدقائها، ممّن يجنون جميعًا، كأفراد، أموالًا طائلة من تذبذب الأسعار المرتبط بتذبذب مآلات الحرب.

لكن السؤال الكبير هو عمّا إذا كانت الصين تُستنزَف فى هذه الحرب؟ على غرار استنزاف روسيا فى حرب أوكرانيا اليوم. الإجابة ليست مؤكّدة، ولهذا احتاج بنيامين نتنياهو إلى كثيرٍ من الجهد لإقناع الرئيس الأمريكى بالدخول فيها، وربّما يعود إلى ذلك سبب البرود النسبى الذى طبع لقاءهما الأخير. أمّا إسرائيل، فرغم أنها تستنزف، فإنّها تحقق مكاسب كبيرة فى غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. فى حين يستنزِف دونالد ترامب رصيده من الشرعية السياسية، مع توقعات بهزيمة كبيرة له فى الانتخابات النصفية. إنه إنهاكٌ أمريكى يتراكم بصمت.

لكن يبقى هذا الاستنزاف عرضةً لأن ينزلق فى أيّة لحظة، مع استهداف البنى التحتية الإيرانية، نحو تصعيدٍ كبير يطال دول الخليج العربية بشكلٍ خاص، ولا يمكن احتماله، ويعيد الأمور إلى سيناريو «النصر الحاسم».

• • •

من الواضح أنّه لا مصلحة حقيقيّة للدول العربية فى «حرب الاستنزاف» القائمة. لكن ما مصلحتها أيضًا فى «الحسم»؟ إذا انهزمت إيران مع بقائها دولة متماسكة، لتصبح «حليفة» للولايات المتحدة، أو إذا انقسمت إلى دويلات، يظلّ المسار نحو التوازن بينها ومعها بعد ذلك محفوفًا بالمخاطر، بين الاستقرار والتهديدات. هذا فضلًا عن أن إسرائيل هدّدت بأن الصراع القادم سيكون إمّا مع مصر أو مع تركيا.

وفى ظلّ غياب آلية لموقفٍ عربى متماسِك، سواءً على مستوى الجامعة العربية أو حتّى مجلس التعاون الخليجى، يبرز سؤالٌ جوهرى: ما الإطار الإقليمى الأوسَع الذى يُمكِن أن يُرسى نوعًا من الاستقرار الدبلوماسى والاقتصادى والأمنى فى المنطقة؟ وهل يمكن للتحالف «الهندى ــ الإبراهيمى» أن يُشكِّل صيغةً لذلك؟ كثيرون يشكّكون فى ذلك، بمن فيهم تركيا، التى تعتبر أن التهديد الذى سيلى إيران سيطالها بدوره، وكذلك باكستان.

حرب الخليج الثالثة هى إسرائيليّة بامتياز، على عكس سابقاتها التى كانت أوّلًا... أمريكيّة.

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات