فجأة أصبح جميع مسئولينا التنفيذيين عاشقين للتشجير واللون الأخضر ولسان حالهم يُنشدنا «كلنا نحب الشجر» على لحن أغنية محمد عبد الوهاب الشهيرة «كلنا نحب القمر».
كلمات الأغنية التى وضعها الشاعر السفير أحمد عبد المجيد قبل 99 عامًا تقول: «كلنا نحب القمر.. والقمر بيحب مين؟ حظنا منه النظر.. والنظر راح يرضى مين».
تُرى من تُحب الأشجارُ ومن تكره؟ وهل يمكن أن تخبرنا الأشجار يومًا بكل ما عانت منه فى خضم المذبحة؟
لم تتوقف الإزالات الممنهجة الجائرة إلّا بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، وانهمرت بعدها تصريحات وقرارات وصور لجميع الوزراء والمحافظين المعنيين تؤكد أهمية التشجير وتدعو لرصد ومتابعة حالات التعدى على الأشجار فى الطريق العام.
تذكّر المسئولون أيضًا المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة والتى سبق التنبيه على جميع المحافظات للمشاركة فيها منذ ثلاث سنوات بموجب كتاب دورى رقم 59 لسنة 2023، وقرار وزير التنمية المحلية رقم 524 لسنة 2025 بتشكيل لجنة مركزية لمتابعة الموقف التنفيذى للمبادرة وتقييمها دوريًا بمختلف مناطق الجمهورية.
أما أهم ما استعاده المسئولون فى بياناتهم وخطاباتهم - وبالأخص فى الكتاب الدورى رقم 245 لسنة 2026 الصادر بتاريخ 9 سبتمبر 2026 عن وزيرة التنمية المحلية بشأن المحافظة على الأشجار واستدامتها - فهو أن المادة 162 من قانون العقوبات واجبة التطبيق على حالات التعدى الجائر وإزالة الأشجار دون اتباع الطريق القانونى، والتنبيه لضرورة تحرير محاضر للمخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية ضده.
سبحان الله! فهذه المادة من قانون العقوبات ليست وليدة الأسبوع المنصرم، بل قائمة منذ كان الملك فاروق يحكم مصر تحت الوصاية لصغر سنه. وهى ببساطة تجرّم «قطع أو إتلاف الأشجار المغروسة فى الأماكن المعدة للعبادة أو فى الشوارع أو فى المتنزهات أو فى الأسواق أو فى الميادين العامة» وتطورت عقوبتها تدريجيًا إلى الحبس وغرامة تتراوح بين 100 جنيه و500 جنيه أو بإحدى العقوبتين، مع الحكم بدفع قيمة الأشجار المقطوعة.
بل إن تشريعًا آخر هو قانون إشغال الطرق العامة رقم 140 لسنة 1956 اعتبر الأشجار فى الطريق العام «من الأملاك العامة أيًا كان غرسُها» وحمّل المحافظات مسئولية حمايتها بصورة مطلقة، ممثلة فى هيئات وإدارات النظافة والتجميل.
الأشجار الشهيدة التى اجتُثت بقسوة من الحدائق والمنتزهات والطرق العامة وحلّ مكانها الأسفلت والإنترلوك، لم تشفع لها تلك العناية التشريعية المبكرة بحماية الأشجار والمساحات الخضراء، ولم تنقذها المبادرات الشعبية والحملات الجماهيرية العفوية عبر مواقع التواصل الاجتماعى خلال السنوات الخمس الماضية ولا مئات المقالات ومقاطع الفيديو التى حذرت من مغبة ذلك على البيئة والصحة العامة والسلامة النفسية للمواطنين.
الصحوة المتأخرة خطوة ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة تشجير المناطق الأكثر تضررًا.
لكن الجدية فى تنفيذ التوجيهات الرئاسية وتفعيل مبادرة 100 مليون شجرة تتطلب أولا وقبل أى شىء مُحاسبة من أوصلنا لهذه النقطة، وتقديم المخطئ - إن وُجد - للمحاكمة التأديبية أو الجنائية حسب الأحوال، وعرض مبررات السياسة الممنهجة لقطع الأشجار، وما الذى دفع محافظات عدة إلى تحويل حدائق خضراء إلى مساحات رمادية من البلاط والإنترلوك تحت مسمى «الحديقة» والحديقة منها براء، وتحاشى اختزال القضية فى إعادة تشجير المحاور المرورية الرئيسية والطرق الشهيرة كشارع جامعة الدول العربية بالمهندسين.
وهناك العديد من الفتاوى القضائية الحديثة الصادرة من مجلس الدولة تكشف نزاعات بين هيئات النظافة والتجميل وجهات حكومية أخرى بسبب قطع الأشجار وبيع الأخشاب لتستفيد تلك الجهات من حصيلتها أو لمبررات أخرى، مما يعكس حالة من الفوضى فى إدارة ملف تشجير الطريق العام.
نحتاج إيضاحات حاسمة للعديد من العوامل العلمية والاقتصادية والإدارية ذات التأثير على هذا الملف، لا سيما بشأن وجود جهات مستفيدة اقتصاديًا من إزالة الأشجار وبيعها، ونشاط بيع الفحم وتصديره، وحقيقة التأثير السلبى المحتمل لبعض أنواع الأشجار على استهلاك المياه والبنية التحتية، ومدى وجود إطار تنظيمى واضح يحكم اشتراطات إزالة الأشجار والحالات المسموحة بالتنسيق بين وزارات البيئة والزراعة والرى والتنمية المحلية ودواوين المحافظات.
إن مصارحة الرأى العام بالحقائق كاملة هو المنطلق الوحيد لمرحلة جديدة، حتى تكتسب التحركات التصحيحية التى تتخذها الحكومة مصداقية ودعمًا حقيقيًا من المواطنين، ولنتعلم جميعًا من أخطاء الماضى فلا نبررها ولا نكررها.