استهداف التراث الثقافى خلال الحروب بوصفه أداة مقصودة لإضعاف الذاكرة الجمعية، وذلك ينعكس على استقرار المجتمعات وجهود إعادة الإعمار بعد النزاعات.
حيث إن التراث الثقافى هو ميراثنا من الماضى، وما نعيش به فى الحاضر، وما نعطيه لأجيالنا فى المستقبل ليستمتعوا به ويتعلموا منه الدروس والعبر، كما أنه أداة الوصل بين الماضى والحاضر والمستقبل، فهو يمثل القيمة الرمزية للهويات الثقافية للشعوب، وفى قاموس اللغة يعرف التراث بأنه الشىء الموروث، يمثل الذاكرة الحية للفرد والمجتمع، وهو الذى يحفظ لهما الهوية والانتماء وهو الركيزة التى ترتكز عليها الأمة فى بناء نهضتها، والجذور التاريخية التى تشكل استمرار وجودها، وتفردها، وأصالتها، ويساعدها على مواجهة ما يصادفها من تحديات وتقلبات الزمن.
وحيث أن التراث الثقافى ينقسم إلى شكلين أولها التراث المادى وهو كل شىء ملموس كالقصور والمعابد والمساجد وكل ما ينسب لعصور وحضارات سابقة، ومنها ما هو منقول كالمشغولات والفخار وغيرها، ويشمل أيضا المبانى والأحياء القديمة والزخارف المعمارية، أما الشكل الثانى للتراث هو غير المادى والذى يتمثل بالممارسات الاجتماعية والفنية والطقوس والاحتفالات والمهارات الحرفية وكل شىء يعبر عن نسق القيم المجتمعية للمجتمع.
تأثير الحروب والنزاعات المسلحة على التراث الثقافى للشعب موضوع يصعب الخوض فيه فى أوقات الموت والدمار، تأتى أرواح البشر أولا ثم مع نهاية الحرب وبدء عملية التعافى، حيث إن احتياجات المأوى والأكل هى الأولوية خلال هذه الفترة.
وتأتى النزاعات بأشكالها المختلفة سواء كان عدوان دولة على أخرى أو عدوان لجماعات إرهابية على مجموعات أو الحروب الأهلية وغيرها من أشكال التدمير العنيفة التى تصيب المجتمعات، مخلفة ورائها انهيارا للتراث الثقافى المادى الذى ينعكس تأثيره على التراث غير المادى ومن ثم على الذاكرة الجمعية للشعوب بالتالى فى مرحلة ما بعد الحرب والتعافى نشاهد تشويها يحدث فى الذاكرة الجمعية للشعوب، وهنا يبدأ الاهتمام الشعبى باستعادة التراث المتضرر من الحرب وإعادة الإحياء لهويتها الثقافية ومنها العادات والتقاليد والممارسات الشعبية، حيث أن هذا القلق من فقدان هويتها وتراثها ناتج عن حاجة نفسية واجتماعية لإعادة إحياء المألوف بعد مرحلة العنف؛ وهنا يجب علينا أن نقف بحزم لنتعرف على أهمية التراث الثقافى فى حياة الشعوب حيث هو شريان حياتها وسبب وجودها وانتمائها لأرضها وتاريخها وماضيها وحاضرها.
فى حالات الحروب، تصبح المبانى والأماكن التى تمثل رمز الذاكرة الجمعية هدفًا متعمدًا من قبل العدوان، وهو هدف تدمير الأشياء والأماكن والاستنزاف، مثل هدم جسر موستار القديم فى الحرب الأهلية فى البوسنة والهرسك 1992-1995، واستهداف المكتبة الوطنية فى مدينة سراييفو فى البوسة والهرسك بالقذائف عام 1992، وهدم التراث الثقافى لمدينة الموصل فى العراق من قبل تنظيم داعش الإرهابى حيث تم استهداف جامع النورى الذى يعد أحد أهم الرموز الثقافية لمدينة الموصل وهو شكل من أشكال الذاكرة الجمعية للمدينة، فضلا عن الجامع الأموى فى مدينة حلب السورية والذى تضرر بشكل كبير خلال الحرب، ويمثل رمزا دينيا وثقافيا وتاريخيا للمدينة، وفى دولة مالى تم تدمير أضرحة تمبكتو عام 2012 التى هاجمتها جماعات متطرفة واعتبرت محكمة الجنايات الدولية تدميرها جريمة حرب.
توضح هذه الأمثلة السابقة أن اختيار هذه المواقع لم يكن عشوائيا، بل لأنها تمثل رموزا للهوية التاريخية والثقافية للمجتمعات المحلية، مما يجعل استهدافها رسالة سياسية تتجاوز التدمير المادى إلى محاولة محو الذاكرة الجماعية وتقويض الشعور بالانتماء.
إن أثر تدمير التراث الثقافى لا يقف عند فقدان المبانى والمواقع التاريخية، بل يمتد إلى إضعاف الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء داخل المجتمعات المتضررة من النزاعات. وفى هذا السياق، تؤكد دراسة «الحماية الاجتماعية والاندماج الاجتماعى فى المنطقة العربية» الصادرة عن الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب ومنتدى البدائل العربى للدراسات أهمية تعزيز الاندماج الاجتماعى باعتباره أحد المقومات الأساسية للاستقرار والتماسك المجتمعى. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى حماية التراث الثقافى وإعادة إحيائه بوصفها جزءا من الجهود الرامية إلى إعادة بناء الروابط الاجتماعية والذاكرة المشتركة بعد الحروب.
بعد انتهاء الحروب لا تقتصر جهود إعادة الإعمار على إعادة بناء المساكن والبنية التحتية، بل تشمل أيضا استعادة الرموز الثقافية والتراثية التى تعرضت للتدمير والتى تشكل الذاكرة الجمعية للأفراد، وحتى بعد عملية إعادة الإعمار ومحاولة إعادة إحياء الهوية الثقافية لا تعود كما كانت حيث أصبح التدمير والحرب جزءًا من هذه الذاكرة، وصورة الحرب جزء من تاريخ المدينة، وعملية التعافى مرة أخرى أيضا هى جزء من هذه الذاكرة، بالنتيجة أريد القول إن الذاكرة الجمعية لا يمكنها أن تعود كما كانت، فقط هى محاولة لترميمها بالقدر الممكن للتعافى ما بعد الحرب، هذا فيما يخص التراث المعنوى، أما الجانب المادى للتراث فيمكن إعادة بنائه وفق الطرق المعمارية والبنائية وحسب جهود الدول وجهود التدخل الدولى فى إعادة الإعمار.
إن حماية التراث الثقافى أثناء النزاعات ليست قضية ثقافية فحسب، بل هى قضية تتعلق بحماية هوية الشعوب وذاكرتها الجماعية، فحين يُستهدف التراث، لا تُهدم الحجارة فقط، بل تُستهدف الروابط التى تجمع المجتمع بماضيه وتمنحه القدرة على بناء مستقبله. لذلك فإن الحفاظ على التراث وإعادة إحيائه يمثلان جزءا أساسيا من بناء السلام وتحقيق التعافى المستدام بعد الحروب.