على الرغم من أن الصين لم ترسل جنديا واحدا إلى الخليج، إلا أن هناك صينيا لغزا يشارك فى المعركة وهو يقود عمليات القتال.
ذلك الصينى هو «سون تسى» الذى عاش ومات قبل نحو 2500 عام.
هذا ما كتبه أحد المراسلين الصحفيين الأمريكيين من ساحة المعركة فى حرب الخليج ، حيث أشار إلى أن كل واحد من ضباط مشاة البحرية الأمريكية فى الخليج كان معه نسخة من كتاب «فن الحرب» الذى ألفه «سون تسى» وشريط كاسيت يشرح الكتاب، وكان قائد مشاة البحرية يلزمهم بقراءة الكتاب مرارا وتكرارا.
لا غرابة فى هذا الأمر فالكتاب الذى تُرجم إلى عشرات اللغات يعد مرجعا أساسيا فى فنون الحرب والقتال، بل هو واحد من أهم الكتب التى انتقل ما بها من أفكار ومبادئ من ساحات الحرب إلى ميادين السياسة والاقتصاد، وكتاب «فن الحرب» أيضا هو واحد من الكتب التى قال الرئيس دونالد ترامب إنه قرأها بل وأوصى بقراءتها إلى جانب عدد من الكتب الأخرى فى مقدمتها كتاب «الأمير» للإيطالى «نيكولا ميكيافيللى».
لا أدرى إن كان ترامب صادقا فيما قاله عن قراءته كتاب فن الحرب أم لا ، لكن قائمة الكتب التى ألفها «ترامب» لا تخلو من إشارات تشبه إلى حد كبير بعض ما ورد فى كتاب «فن الحرب» من خطط وتكتيكات، وإن كانت تتعارض فى كثير من أفكارها مع ما وضعه «سون تسى» من مبادئ وقواعد فى كتابه الشهير.
ترامب رجل الأعمال المولع بالصفقات ألف نحو 15 كتابا، من أهمها كتاب «فن الصفقة» الذى ألفه عام 1987، وكتاب «فن العودة» الذى ألفه عام 1997.
هل نلمح حضورا لكتاب «فن الحرب» فيما كتبه ترامب؟ بالطبع هذا واضح ليس فقط فى اختيار عنوان الكتابين، ولكن أيضا فيما احتواه الكتابان من بعض الأفكار التى تلتقى مع أفكار «سون تسى» الواردة فى «فن الحرب».
يخطئ من يعتقد أن ترامب يتصرف بعشوائية، أو أن قراراته التى تبدو غير منطقية هى بنت لحظة انفعال مر بها، فمن يراجع ما كتبه الرجل يكتشف أن كل ما فعله سواء فى فترة رئاسته الأولى، أو فى ولايته الحالية ورد فى كتبه، بداية من لحظة الانتقام من الرئيس باراك أوباما بعد أن سخر منه فى حفل عشاء البيت الأبيض عام 2011 - وهى اللحظة التى يرى كثيرون أنها اللحظة التى قرر فيها ترامب الترشح للانتخابات الرئاسية ليرد الإهانة لباراك أوباما – وحتى الآن، مرورا بالصدام مع الصين والحرب على إيران والهجوم على فنزويلا، والاتفاقات الإبراهيمية، وصفقة القرن والحرب على غزة، وتهديد جرينلاند، وغيرها الكثير من المعارك التى خاضها أو تلك التى سيخوضها فيما تبقى من ولايته الحالية.
وقد تضمن كتابه «حان وقت الحزم» الصادر عام 2011 الكثير من المواقف التى تحولت إلى قرارات فور وصوله إلى البيت الأبيض.
غير أن معضلة ترامب ليست فيما كتبه ويسعى لتحقيقه على طريقة الصفقات الكبرى التى يفضلها، بل تكمن بالأساس فى تصوراته عن الأعداء الذين يواجههم، أو الحلفاء الذين يسعى لدفعهم إلى السير فى الطريق الذى يرسمه، وهنا نعود إلى كتاب «فن الحرب»، الذى يدعو بالأساس إلى تجنب الحرب إذا كان ثمة سبيل لتحقيق الغاية منها دون خوضها.
فى الكتاب يقول: «سون تسى»:
«لكى تجرى تقييما لنتيجة حرب ما يجب عليك أن تقوم بدراسة مقارنة للأحوال والجوانب المختلفة للعدو فى ضوء العوامل الخمسة الأساسية الآتية: أولا التأثير الأخلاقى: وهو ذلك الشىء الذى من أجله يكون الشعب فى انسجام وائتلاف تام مع السلطة العليا، ومن ثم فإنهم يتبعون هذه القيادة غير مبالين بحياتهم».
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذى لم يفهمه دونالد ترامب جيدا فى حربه الأخيرة على إيران، فقد تصور هو نتنياهو أن بإمكانهم القضاء على «إيران» بل إنه تمادى فى تصوراته وقال «إن حضارة بأكلمها ستمحى».
فقد تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى إعادة ترميم شعبية نظام الحكم القائم على ولاية الفقيه، وتماسكه الداخلى رغم هول الضربات التى تعرض لها والخسائر الفادحة التى تكبدها.
لا شك أن ترامب بات يشعر ربما أكثر من أى وقت مضى أنه قد دخل وأدخل العالم معه فى نفق حرب استنزاف طويلة الأمد، ولا يعلم حتى الآن كيف سيمكنه الخروج منه، وهذا درس آخر من دروس «فن الحرب» لم يفهمه ترامب.