منذ تولى وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى، والعواصف لا تهدأ من حول الوزير محمد عبد اللطيف، وكيف لا وهو المسئول الأول عن تشكيل وعى وصياغة وجدان أبنائنا، من مرحلة ما قبل التعليم الابتدائى وحتى الالتحاق بالجامعات والمعاهد العليا أو الاكتفاء بمرحلة التعليم الفنى المتوسط والخروج لسوق العمل الذى لا يرحم.
فى الأسبوع الماضى تلقيت والعشرات من الصحفيين والكتاب والخبراء دعوة منه ومن وزير الدولة للإعلام الزميل والصديق ضياء رشوان لحضور جلسة حوارية بشأن ملف التعليم تحت عنوان «جهود تطوير التعليم ... رؤية الحاضر وآفاق المستقبل».
ذهبت لحضور اللقاء تسبقنى رغبة فى التعرف عن قرب على أفكار الرجل ورؤيته لمواجهة معضلة التعليم فى مصر والتى تبدو بفعل عوامل كثيرة عصية على الحل.
تحدث الرجل عن خطة وزارته للتعامل مع ملف التعليم، وفى العرض الأولى بدا واثقا من نفسه، مدركا لخطورة الملف الذى يتولى الإشراف عليه، والمقاومة التى سيلاقيها من أطراف عديدة للحيلولة دون تنفيذ الرؤية التى وضعها مع زملائه من خبراء التعليم فى مصر.
وبإدارة ذكية من وزير الدولة للإعلام دار النقاش بين الحضور وبين الوزير الذى استمع لمختلف الآراء، وأجاب عن جميع الأسئلة و الملاحظات التى أبداها المتحدثون.
كان حوارا جادا ومفيدا أرجو أن يتسع ليشمل دوائر وقطاعات أخرى، كما أتمنى أن يتكرر مع جميع الوزراء، لا ليدافع كل وزير عن سياساته، ولكن ليستمع إلى مختلف الآراء ويتقبل بصدر رحب ما قد يوجه له من انتقادات، ويكون مستعدا لمراجعة سياساته والاعتراف بأخطائه.
أقول كان حوارا جادا ومفيدا، وأتوقف عند نقطتين كانتا مثار نقاش ليس داخل القاعة التى احتضنت لقاءنا بالوزير وحسب، ولكن داخل المجتمع بشكل عام.
النقطة الأولى: هى المتعلقة بالمدارس الدولية والالتزام بقرار منع الاحتفالات بالأعياد والمناسبات التى لا تمت لثقافتنا بأى صلة.
والنقطة الثانية: هى الالتزام بتدريس مناهج اللغة العربية والتاريخ للبكالوريا لطلبة الشهادة الدولية كمناهج الهوية المخصص لها عشرين بالمئة من مجموع طلاب شهادة المدارس الدولية.
وكلتاهما كانتا محور نقاش مع بناتى الثلاث «اثنتان تخرجتا فى مدارس دولية والثالثة ما زالت فى الصف الحادى عشر» قبل وبعد حضورى لقاء الوزير.
وفى هاتين النقطتين أقول: إننى أتفق تماما مع قرار الوزير.
أقول هذا وأنا أدرك جيدا وأتفهم تماما رفض البعض لهذين القرارين.
ربما تكون مقاومة القرار الأول المتعلق بمنع الاحتفالات الغريبة عن ثقافتنا أقل من مقاومة القرار الثانى الخاص بتدريس مناهج اللغة العربية والتاريخ، لكنهما فى رأيى مرتبطان، وما يجرى على القرار الأول ينسحب على القرار الثانى.
إن حالة الاغتراب التى يعيشها أبناؤنا وبناتنا بفعل الارتباط بالمناهج التى يتم تدريسها بالمدارس الدولية لا يجب أن تستمر، صحيح أنها مناهج متطورة وأنها تؤهل الطالب المصرى ليكون أكثر اتساقا مع العلوم العصرية بما يلبى احتياجات سوق العمل ، لكن هذا لا يعنى استمرار التفريط فيما يعزز هويتنا القومية فى نفوس أبنائنا.
وللحق فإن معركة مقاومة التغريب فى مجتمعنا قديمة ، وتسبق ما يفعله الوزير محمد عبد اللطيف بنحو مئة وأربعين عاما.
وقد خاضها الأستاذ عبد الله النديم «خطيب الثورة العرابية» بأسلوبه الساخر فى مجلة التنكيت والتبكيت عام 1881.
ففى أحد أعداد المجلة كتب النديم ساخرا من نموذج فلاح شاب اسمه «زعيط» ألحقه أبوه واسمه «معيط» بالمدرسة، ثم سافر «زعيط» إلى بعثة تعليمية فى أوروبا، وحين عاد تعامل بتعالٍ غريب على أبيه وأمه، ويروى النديم كيف كان لقاء «زعيط» بوالده «معيط» حين عاد من أوروبا، إذ حاول الرجل أن يحتضن ابنه ويقبله فدفعه رافضا احتصانه ودار الحوار التالى:
زعيط: سبحان الله عندكم يا «مسلمين» حكاية الحضن دى قبيحة جدا.
معيط : أمال يا بنى نسلم على بعض إزاى؟!
زعيط : تقول بون أريفى.
Bonne arrive
وتحط إيدك فى إيدى مرة واحدة وخلاص.
ويتواصل الحوار بين زعيط وأبيه وأمه على هذا النحو الذى يبرز من خلاله عبد الله النديم حالة الاغتراب التى يعيشها «زعيط» بعد عودته من الدراسة فى أوروبا.
وفى مساحة أخرى يلهب عبد الله النديم ظهور المتفرنجين بسياط سخريته الكاشفة من خلال زجل ينشره عن المصريين الذين يتحدثون الإنجليزية والفرنسية «عمال على بطال» وكأنهم ليسوا مصريين فيقول:
الشمس طلعت صح النوم // والساعة بالعربى عشرة
والله عجب يا جيل اليوم // ياللى على سنجة عشرة
«بون سوار» صارت بالكوم // أما السلام أجره على الله
وعمتك «جود نايت» اليوم // سمى وحفض بسم الله
الوقت ده وقت «البردون» // وادى «البرول» لحقه ف كعبه
واخد لى بالك كلمة «جون» // وابن الحرام حسبه ربه
ألف رحمة ونور على عمنا عبد الله النديم
قد نتفق أو نختلف مع سياسات وزير التربية والتعليم، قد ننتقد أوضاع المدارس والمناهج التعليمية وأجور المدرسين وهذا كله من الأمور القابلة للنقاش والأخذ والرد، لكن فيما يتعلق بمسألة الهوية القومية وترسيخها فى نفوس أبنائنا فأنا أتفق تماما مع ما قرره الوزير وأشد على يديه أن استمر حتى لو أغضب ذلك البعض.