أزمة المشروع المضاد فى اعتقالات سبتمبر! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 6 سبتمبر 2026 9:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

أزمة المشروع المضاد فى اعتقالات سبتمبر!

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 7:00 م

لم تكن محض مصادفة، أو سوء تقدير، حملة الاعتقالات الواسعة، التى شنها الرئيس الأسبق «أنور السادات» فى (5) سبتمبر (١٩٨١) قبل (45) عاما بالضبط.

الضيق بالمعارضة اعتراف عملى بحجم التنازلات التى قدمت والاعتقالات الواسعة بدت علامة نهاية.

شملت الاعتقالات (1500) شخصية عامة من كل الاتجاهات السياسية والدينية.

بالمفارقة أطلقت عليها صفة «الثورة»!

«ما هذا القرار أيها الرجل؟! تعلن ثورة فى ١٥ مايو ثم تصفيها فى ٥ سبتمبر؟

تزج فى السجن بالمصريين جميعا من مسلمين وأقباط، رجال أحزاب ورجال فكر؟

لم يعد فى ميدان الحرية إلا الانتهازيون».

كانت تلك عبارة احتجاج على اعتقالات سبتمبر أوردها «نجيب محفوظ» على لسان الجد الوفدى «محتشمى زايد» فى روايته «يوم قتل الزعيم».

«ما هو إلا ممثل فاشل».

«صديقى بيجين.. صديقى كيسنجر.. الزى هتلر والفعل شارلى شابلن».

وكانت تلك صيحة رفض أوردها على لسان الحفيد الناصرى «علوان فواز محتشمى».

رغم عنوان الرواية، التى أضفت صفة الزعامة على «السادات» لا يوجد حرف واحد فيها يؤكد هذا المعنى.

بأثر النكسة ووطأة الانفتاح عجز الحفيد عن إتمام زواجه من خطيبته، التى تشاركه الأفكار نفسها ـ «أعلنت الخطوبة فى عهد الناصرية وواجهتنا الحقيقة فى عصر الانفتاح».

«ـ هل ينفعنا قتل مليون؟».

«ـ قد ينفعنا قتل واحد فقط».

بنص الحوار بين الخطيبين اليائسين.

جرت إدانة عملية اغتيال «السادات» فى ذلك النص الروائى على لسان الخطيبة «راندة سليمان مبارك»: «يا للفظاعة! ألا توجد وسيلة إلا القتل».

توقفت رحلة «السادات» فى حادث المنصة الدموى (6) أكتوبر التالى كأثر مباشر لاعتقالات سبتمبر، غير أنه خياراته حكمت مصر بعده لأزمان طويلة تالية.

لم يكن الرجل هو الموضوع بقدر ما كان مشروعه المضاد.

لم تكن لدى «جمال عبدالناصر» ثقة كبيرة فيما قد يحدث بعده.

فى رواية مستلفتة لرجل التصنيع الدكتور «عزيز صدقى» بتاريخ (٤) يوليو (٢٠٠٥) على صفحات جريدة «العربى» فإن «عبدالناصر» قال له عام (١٩٦٨): «إحنا مش هنعيش كتير.. واللى جاى بعدنا معرفش هيعمل إيه.. واللى أنت بتعمله مش هيقدروا يهدوه».

لم يكن ممكنا لثورة بحجم «يوليو» أن تستمر بالتطور والتجديد والإضافة إذا لم يكن هناك نظام أكثر انفتاحًا على قواعد دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية المستقرة على دستور يضمن أهداف الثورة ويصونها.

عند نهاية رحلة «السادات» تبدت مفارقتان.

الأولى- أن الذين اغتالوه فى حادث المنصة هم من راهن عليهم مطلع سبعينيات القرن الماضى لضرب التيارين الناصرى والماركسى.

بتعبير وزير داخليته «النبوى إسماعيل» (٢٠٠٣): «الجماعات الأصولية عفريت أخرجه السادات من القمقم ولم يعرف كيف يصرفه».

والثانية- أن الذين شاركوا فى جنازته هم أنفسهم الذين حصدوا جوائز حرب أكتوبر (1973) على حساب، الذين قاتلوا وضحوا على جبهات القتال لكى يرفع البلد رأسه من جديد.

فى مطلع يناير (١٩٨١) أشارت صحيفة «الجيروزليم بوست» الإسرائيلية إلى أن هناك تقريرًا جديدًا للاستخبارات الأمريكية يوصى بالنص: «يكفى السادات عشر سنوات».

بعد عشرة شهور قُتل السادات فى حادث المنصة!

بغض النظر عن أية أسرار وخفايا فى قصة اغتياله فإنه كانت هناك مصلحة إسرائيلية وأمريكية فى التخلص منه للوصول إلى نقطة استقرار مستدامة مع نائبه «حسنى مبارك» دون أية اضطرابات تتسبب فيها شخصيته.

الاغتيالات السياسية مدانة بذاتها، غير أنه من المثير ما تنبأ به شاعران كبيران قبل حادث المنصة الدموى فى قصيدتين.

الأولى- قصيدة «البتاع» لـ«أحمد فؤاد نجم» فى السبعينيات:

«باع البتاع بالبتاع

وعشان يعيش على طول

عين حرس بالبتاع

وبرضه مات مقتول».

والثانية- قصيدة  «الجزر والمد» لـ«عبدالرحمن الأبنودى» أول الثمانينيات.

«ارخى وشد..

لكن.. انشف..

ممكن يعملها خروف أعجف».

كانت البيئة السياسية مسممة بالكامل وسيناريوهات العنف ماثلة فى المشهد.

بأثر التجربة المريعة فى حادث المنصة الدموى تجنب الرئيس الأسبق «مبارك» سيناريو سبتمبر، أو أن يجد نفسه فى صراع صفرى مع كل أطياف الحياة السياسية.

فى اعتقالات سبتمبر ضمت القائمة كل الفاعلين بالمشهد العام، كأنه اعتقال رمزى جماعى لكل ما يتحرك بالحياة فى مصر.

كان من أبرز المعتقلين «محمد حسنين هيكل»، و«فؤاد سراج الدين»، و«فتحى رضوان»، و«ميلاد حنا»، و«شاهندة مقلد»، و«لطيفة الزيات»، و«محمود أمين العالم»، و«حلمى مراد»، و«عصمت سيف الدولة»، و«صلاح عيسى»، و«حمدين صباحى»، و«أبوالعز الحريرى»، و«جابر عصفور» و«رشدى سعيد» و«فتحى رضوان»، و«عبدالمنعم تليمة»، و«كمال أبوعيطة»، و«عمر التلمسانى»، و«عبدالعظيم المغربى» و«عبدالعظيم مناف».

وصل التفلت العصبى إلى التحفظ على «البابا شنودة الثالث» رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى دير الأنبا «بيشوى»، بالإضافة إلى عدد من الأساقفة والكهنة الأقباط.

لمرة نادرة ألمح «هيكل» إلى أسباب إلحاحه فى معارضة «السادات»، التى وضعته على رأس المعتقلين: «هو ظنى بأننى قمت بدور أساسى فى مجىء السادات رئيسا بعد رحيل عبدالناصر، وبدور كذلك فى تأييده بظروف أحاطت بمصر أيامها» - قاصدا أحداث (١٥) مايو (1971)، التى تردد أنه مهندسها.

اختلف- أولا- على الإدارة السياسية لحرب أكتوبر.

واختلف- ثانيا- على التوجهات الاجتماعية الجديدة.

وقد كانت هناك صلة عند الجذور بين السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادى بالطريقة التى جرى بها.

«حاول السادات أن ينشئ طبقة جديدة تساند فكرة السلام».

«كان سؤال هنرى كيسنجر: أين الطبقة الاجتماعية التى يمكن أن تسند أى تحول استراتيجى؟».

«وقد أسفر الانقلاب الاجتماعى عن خلق طبقة أكثر تدينا وأقل أخلاقا».

«فى سنة ١٩٧٥ كنت أمام وضع اجتماعى يتغير دون أن يقول لنا أحد من أين جاءت القطط السمان، ولا كيف حصلت على ثرواتها؟».

كان ذلك هو المشروع المضاد لكل ما مثلته يوليو، وقد وصل ذروته بتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد» وعبر عن عمق أزمته فى اعتقالات سبتمبر.