من مصدق إلى هرمز.. الغاية تبرر الحقارة - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 23 أغسطس 2026 8:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

من مصدق إلى هرمز.. الغاية تبرر الحقارة

نشر فى : الأحد 23 أغسطس 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 23 أغسطس 2026 - 7:10 م

عندما تتعارض مصالح الغرب مع ما تدعيه مؤسساته ومنظماته من قيم ومبادئ، تنحاز حكوماته إلى الأولى، ولتذهب القيم والمبادئ إلى الجحيم.

لم تنته السياسات الاستعمارية الغربية بغروب حقبة الاحتلال العسكرى التى استمرت أكثر من قرن؛ كل ما تغير هو الشكل، إذ ظلت القوى الكبرى تستنزف ثروات دول العالم الفقير، وتهيمن على مقدراتها بوسائل أخرى غير التدخل العسكرى المباشر، الذى لا يصبح خيارًا إلا بعد فشل الخيارات الأخرى.

منذ منتصف القرن الماضى، يتابع العالم ما ارتكبته دول الغرب الاستعمارى، ووريثها الأمريكى، من جرائم وعمليات سوداء، شملت اغتيال قادة وساسة رفضوا الخضوع، وقرروا تحدى الهيمنة والانحياز إلى مصالح شعوبهم.

دبرت حكومات غربية انقلابات، وشنت حملات عسكرية، لإسقاط أنظمة وتغييرها دعمًا لعملائها، فى أمريكا اللاتينية وشرق آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط. وحتى الكيان الصهيونى الذى زرعوه فى منطقتنا، كان الهدف من إقامته حماية مصالحهم وضمان استمرار السيطرة على موارد الإقليم، قبل أن يتحول دعمه وضمان بقائه إلى عقيدة لدى معظم دول الغرب.

من النماذج الفجة على ذلك ما جرى فى إيران عام 1953، حين قررت حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا إسقاط حكومة محمد مصدق المنتخبة، بعدما أقدم رئيس الوزراء الإيرانى على تأميم صناعة النفط، وإنهاء امتياز شركة النفط الأنجلو ــ إيرانية التى كانت بريطانيا تهيمن عليها. 

لم يكن مصدق ديكتاتورًا ولا حاكمًا مستبدًا؛ بل كان رئيسًا للوزراء وصل إلى السلطة عبر انتخابات حرة ودستورية، لكن مشكلته فى نظر لندن وواشنطن أنه أراد وقف نهب ثروات بلاده، وأن يصبح نفط إيران ملكًا للإيرانيين.

لم تحتمل لندن وواشنطن تجربة إيران المستقلة، فدبرتا عملية استخبارية سرية أُطلق عليها «أجاكس»، تولت الولايات المتحدة الدور القيادى فيها بدعم مباشر من الرئيس داويت أيزنهاور. اُستخدم فى العملية عملاء ممولون من وكالة الاستخبارات المركزية لإثارة الاضطرابات داخل إيران، بالتوازى مع حملة إعلامية قائمة على التضليل، ودفع الأموال للبلطجية والسياسيين، وتزوير الوثائق. 

كادت العملية أن تفشل بعدما تصدى لها مصدق ومؤيدوه، إلا أن واشنطن لم تقبل بهذه النتيجة، فدبرت محاولة انقلاب ثانية فى اليوم التالى، مستعينة بضباط فى الجيش موالين للشاه. 

وفى 19 أغسطس 1953، انتهى الأمر باعتقال مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوى إلى السلطة، ليتحول لاحقا إلى شرطى الولايات المتحدة فى المنطقة.

كان انقلاب مصدق رسالة واضحة؛ فالديمقراطية مقبولة ما دامت لا تمس المصالح، والسيادة محترمة ما دامت لا تمنع الشركات الغربية من الوصول إلى الثروات. أما حين يقرر شعب استعادة حقوقه والسيطرة على موارده، تتحول الديمقراطية إلى خطر، وتصبح حكومته المنتخبة فجأة نظامًا مخادعًا وقمعيًا يقتل شعبه، ويصبح إسقاطها هدفًا مشروعًا.

سبعة عقود مرت، لكن القاعدة لم تتغير كثيرًا، من أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا مرورًا بالشرق الأوسط، ظل معيار واشنطن وحلفائها هو المصالح، لا المبادئ. 

فى فنزويلا، لم يعد الأمر مجرد تدخل سياسى أو عقوبات، بل وصل إلى اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو ثم الهيمنة على مقدرات بلاده، وبعد شهور قليلة أعلن ترامب صراحة أن بلاده ستضرب إيران وتستولى على نفطها، مستشهدًا بما فعلته الولايات المتحدة فى كاركاس.

وهنا تتجلى حقارة ونفاق الدعاية الغربية والأمريكية؛ فلا حرج لدى واشنطن فى أن تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولى، فى الوقت ذاته الذى تختطف فيه رئيسًا، وتستولى على ثروات دول، لمجرد أن حكوماتها اختارت تحدى الهيمنة الأمريكية والتعامل مع واشنطن بندية.

الأمر لم يعد يتعلق بالنفط وحده؛ ففى الأيام الأخيرة، نشر ترامب خريطة لمضيق هرمز واعتبره «أرضًا أمريكية جديدة»، فى مشهد يكشف منطق الغطرسة الذى حكم السياسة الاستعمارية الغربية لعقود، حين كانت القوى الكبرى تتعامل مع أراضى الشعوب وثرواتها وممراتها باعتبارها مجالًا مفتوحًا لنفوذها ومصالحها.

بين ما فعلته الولايات المتحدة مع مصدق وما يفعله ترامب الآن، سبعون عامًا لم تتغير خلالها قواعد اللعبة كثيرًا؛ فإذا تعارضت إرادة الشعوب مع مصالح الإمبراطوريات، انتصرت الأخيرة. وإذا قاومت دولة الهيمنة، يصبح إسقاط نظامها هدفا مشروعًا، حتى لو كان الثمن حربًا ودماء وانتهاكًا لكل القيم التى يتغنى بها الغرب.

لعل الفرق الوحيد أن الغرب اليوم لم يعد يحتاج إلى إخفاء ما كان يفعله سرًا فى 1953؛ فترامب يعلن بتبجح رغبته فى سرقة النفط الإيرانى ثم السيطرة على  المضيق؛ أما «الديمقراطية» و«القانون الدولى»، فتبقى، كعادتها، مجرد مصطلحات للاستهلاك الإعلامى، ما دامت لا تتعارض مع مصالح الإمبراطورية.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات