عمالقة التكنولوجيا والحرب الباردة.. ونحن - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 4 سبتمبر 2026 7:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

عمالقة التكنولوجيا والحرب الباردة.. ونحن

نشر فى : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:18 م

من هم عمالقة التكنولوجيا فى العالم حاليًا؟
من المتحكم فى هؤلاء العمالقة؟
كيف يمكننا أن نتعامل مع هؤلاء العمالقة؟

شئنا أم أبينا نحن فى عصر تتحكم فيه التكنولوجيا فى كل شىء حتى البشر، أى أن التكنولوجيا المتقدمة هى أقوى سلاح فى يد الدول، ودائمًا ما يظهر النقاش حول المال والتكنولوجيا، وأن من يمتلك المال يستطيع شراء التكنولوجيا، صحيح أن من يمتلك المال يستطيع شراء التكنولوجيا، لكنه لا يمتلكها، هو فقط يستخدمها، لكن من يمتلكها بالفعل هو من ابتكرها ويستطيع أن يمنع عن المشترى قطع الغيار أو الصيانة، أو حتى يعطى المشترى تكنولوجيا أقل كفاءة.


لذلك من يتحكم فى التكنولوجيا يتحكم فى العالم الذى نحيا فيه، فى مقالنا اليوم نحاول التعرف على عمالقة التكنولوجيا الذين يتحكمون فى العالم، وما تأثير ذلك على الحرب الباردة بين أمريكا والصين، وأخيرًا ماذا نستطيع أن نفعل بهذه المعلومات.

 
• • •


الكبار


هناك الألوف من الشركات التى تنتج التكنولوجيات المختلفة من البرمجيات أو الأجهزة، لكن هناك عدد قليل من الشركات التى تستطيع أن تتحكم فى التكنولوجيات المختلفة فى العالم، وقبل أن نتحدث فى تلك النقطة بالتفصيل يجب توضيح ما نقصد بشركات تتحكم فى التكنولوجيات، تخيل شركة برمجيات تنتج برمجيات للبنوك مثلًا تعتمد على الذكاء الاصطناعى، هذه الشركة تحتاج أولًا الحصول على برمجيات الذكاء الاصطناعى التى ستدخل فى تركيب برمجياتها، إذا فالشركات التى تنتج برمجيات الذكاء الاصطناعى تتحكم فى تلك الشركة، وشركات الذكاء الاصطناعى تحتاج أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، وبالتالى تلك الشركات تتحكم فى شركات الذكاء الاصطناعى، والشركات التى تصمم أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة تحتاج رقائق الكمبيوتر (computer chips) التى منها رقائق الذكاء الاصطناعى، إذا الشركات التى تصمم وتصنع رقائق الكمبيوتر تتحكم فى كل هؤلاء.


إذا نظرنا إلى رقائق الكمبيوتر والتى تدخل فى تركيب جميع أجهزة الكمبيوتر على هذا الكوكب سنجد أن شركة (TSMC) التايوانية تصنع أكثر من نصف رقائق الكمبيوتر فى العالم تليها شركة (Samsung) الكورية الجنوبية، لتصنيع الرقائق تحتاج تلك الشركات إلى شراء أجهزة متقدمة للتصنيع، أكثر الأجهزة تقدمًا لتصنيع أحدث الرقائق تأتى من شركة واحدة فقط فى العالم هولندية اسمها (ASML)، وكلمة «تصنيع» تعنى أنه يجب أولًا تصميم (أى ابتكار) رقائق الكمبيوتر قبل تصنيعها، شركة مثل (NVIDIA) الأمريكية تصمم أغلب الرقائق التى تعتمد عليها برمجيات الذكاء الاصطناعى الآن، تليها شركة (AMD) الأمريكية أيضًا، ويمكننا وضع شركة (Huawei) الصينية فى هذه المرتبة.


بعد الحصول على الرقائق يجب تجميعها واستخدامها لتصميم وإنتاج أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة والتى يطلق عليها فى بعض الأحيان مراكز البيانات وفى أحيان أخرى السوبر كمبيوتر (لمعرفة الفارق أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقال «الكمبيوتر فائق السرعة.. سلاح بالغ الخطورة» بتاريخ 7 أغسطس 2026)، تصميم وتصنيع تلك الأجهزة وراءه شركات أكثر شهرة من الأسماء التى ذكرناها، وهى شركات مايكروسوفت (نعم فهى تصمم وتصنع ما هو أكثر من مجرد برمجيات) و«جوجل» و«أمازون».


بعد الأجهزة فائقة السرعة تأتى الشركات التى تصمم البرمجيات بمختلف أنواعها، فبرمجيات الذكاء الاصطناعى تأتى من شركات أصبحت شهيرة الآن مثل الشركات الأمريكية: (OpenAI)، و(Anthropic)، و(Meta) و(Google)، والشركات الصينية مثل (DeepSeek)، و(Moonshot AI)، و(Z.AI)، و(Alibaba)، والقائمة تطول للدولتين ولدول أخرى.


قد يبدو الموضوع مجرد تنافس بين الشركات، لكن الحقيقة أنه تنافس سياسى بين الدول، أمريكا تريد أن تظل القطب الأوحد، والصين تريد عالمًا متعدد الأقطاب، على الأقل فى المستقبل القريب.


• • •


بين أمريكا والصين


أى نظرة على النظام العالمى الآن ستقول لنا وبوضوح أن أقوى دولتين تكنولوجيًا هما أمريكا والصين، والحرب بينهما هى حرب تكنولوجية، الصراع بينهما ليس فقط بالطائرات والصواريخ والقنابل، ولكن أيضًا برقائق الكمبيوتر والأجهزة فائقة السرعة والبرمجيات المتقدمة.


حاليًا من قراءة المشهد الحالى أمريكا لها هدفان والصين كذلك، أمريكا تريد برمجيات ذكاء اصطناعى الأقوى فى العالم، وتريد عرقلة التقدم الصينى حتى تظل القطب الأوحد. أما الصين فتريد استخدام الذكاء الاصطناعى فى المجالات المتعددة مثل التصنيع والأمن السيبرانى والاتصالات إلخ، وتريد تقليل مكاسب الشركات الأمريكية عن طريق طرح برمجيات ذكاء اصطناعى مجانى (على الأقل حتى الآن)، ولاحظ أن الشركات غير الأمريكية وغير الصينية تدين بالولاء لأمريكا حتى الآن على الأقل، نجد ذلك فى هولندا (ASML) وكوريا الجنوبية (Samsung) وتايوان (TSMC).


أدعو القارئ إلى مراجعة المقالات الآتية المتعلقة بأمريكا والصين:


• مقال بعنوان «الحرب العالمية الجديدة فى التكنولوجيا» بتاريخ 21 فبراير 2025.


• مقال بعنوان «معركة الصين وأمريكا.. العلم والتكنولوجيا وأشياء أخرى» بتاريخ 26 ديسمبر 2025.


• • •


ماذا نستطيع أن نفعل؟


ماذا تستطيع الدول الأخرى أن تفعل وسط هؤلاء العمالقة؟ طبعًا لا نريد الإجابات اليائسة والتى تأتى مع الرد السريع «وماذا بيدنا أن نفعل ونحن لا نمتلك قوة اقتصادية؟»، هناك أشياء كثيرة نستطيع عملها:


• مراقبة الخريطة التكنولوجيا الجيوسياسية بدقة، والمحافظة على صلات قوية مع الدول التى تحتضن الشركات الكبرى، أى لا نتجه لمعسكر دون الآخر، هذا يساعد على اكتساب الخبرة من جميع الجهات، ثم استخدام نقاط القوة التى نمتلكها لبناء نقطة قوة فى هذا العالم، فمثلًا دولة مثل هولندا أصبحت مركز العالم فى تصميم وتصنيع أجهزة تصنيع الرقائق المتقدمة والمتمثلة فى شركة (ASML).


• التعليم المستمر وليس فقط فى الجامعة هو شريان الحياة فى التكنولوجيا، هناك جديد كل يوم، وإذا ركزنا على نوع واحد من التكنولوجيا سنتخلف بخطوات عديدة عن الركب.


• التعليم وحده لا يكفى، يجب أن نستخدم هذا التعليم واستخدامه هو الابتكار، يجب أن نشجع الأجيال الجديدة على تعلم التكنولوجيا الحديثة ثم الابتكار، هذا الابتكار سيساعد فى النقطة الأولى التى ذكرناها أعلاه وسيشجع العمالقة على التعاون معنا.


عالم التكنولوجيا تسيطر عليه مجموعة قليلة من الشركات، لكننا نستطيع أن نجعل لأنفسنا موطئ قدم فى المستقبل القريب لأننا نمتلك المواهب والشباب الطموح، نحتاج فقط لخطة قصيرة ومتوسطة الأجل للاستفادة من هذا الجيل.
• • •


التكنولوجيا حاليًا هى أقوى سلاح فى يد الدول، التكنولوجيا فى هذا العالم تتحكم فيه عدد قليل من العمالقة، معرفة خريطة القوى التكنولوجية والعلاقات بينهم يمكننا من الاستفادة منهم بقدر الإمكان مع تقليل الثمن المدفوع سواء المالى أو المعلوماتى.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات