التكنولوجيا المتقدمة فى رحاب الدول النامية - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 14 أغسطس 2026 7:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

التكنولوجيا المتقدمة فى رحاب الدول النامية

نشر فى : الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:40 م

 هل يجب أن نستقدم أحدث تكنولوجيا فى كل المجالات؟

هل كل تكنولوجيا جديدة مفيدة لنا يقينا؟ 

ما الذى يجب أن تهتم به الدول النامية من ناحية التكنولوجيا؟

تكلمنا فى مقال الأسبوع الماضى عن أهمية امتلاك أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة حتى بالنسبة للدول النامية، فهى لم تعد من قبيل الرفاهية، لكن هناك نقطة يجب توضيحها، عندما نقول إن امتلاك تلك الأجهزة لم يعد رفاهية فهذا لا يعنى أننا يجب أن نشترى أحدث جهاز، نحتاج فقط الأجهزة المناسبة لاستخدامنا، وهذا موضوع مقال اليوم، كيف تتعامل الدول النامية ذات الميزانيات المحدودة مع التكنولوجيا المتقدمة؟ هل تتجاهلها بالكلية لقلة الإمكانيات المادية؟ أم تضع نفسها فى مأزق وتستقدم أحدث التكنولوجيات مع التضحية بأمور أخرى قد تكون أكثر أهمية؟ هنا يجب وضع سياسة علمية تكنولوجية متوازنة، هذا ما نريد أن نناقشه اليوم.   

السياسة العلمية فى مثل أهمية السياسات الأخرى لأنها تؤثر عليها، فالاقتصاد والتعليم إلخ تتأثر بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا تأتى من الاكتشافات العلمية. السياسة العلمية تعتمد على حالة كل دولة، ليس فقط الحالة الاقتصادية لكن أيضا تركيبة السكان من حيث المرحلة السنية والتعليمية، وموقع الدولة جغرافيا، وتاريخها، إلخ. 

هناك عدة خطوات لخلق سياسة علمية لكل دولة، من أهم الخطوات هى معرفة أهمية كل تكنولوجيا جديدة.

  • • •

 

هل كل تكنولوجيا جديدة مفيدة؟

عندما نسأل إذا ما كانت تكنولوجيا جديدة مفيدة أم لا فإن هذا السؤال ليس دقيقا، السؤال الدقيق هو إذا ما كانت تكنولوجيا معينة مفيدة للدولة فى الوقت الراهن أم لا، لأن التكنولوجيا قد تكون مفيدة لدولة دون أخرى، مثلا تكنولوجيا متقدمة لتحلية مياه البحر لا تكون مفيدة لدول لا تطل على مسطحات مائية، وأيضا تكنولوجيا معينة قد تكون مفيدة فى فترة زمنية وغير مفيدة فى فترات أخرى عند ظهور تكنولوجيا أكثر تقدما مثلا أو حين تنتفى الحاجة لتلك التكنولوجيا.

 

عندما تظهر تكنولوجيا جديدة، علينا أن نسأل أنفسنا الآتى قبل استقدامها:

< هل هذه التكنولوجيا مفيدة فى أحد الأهداف الاستراتيجية للدولة مثل الرى أو توليد الطاقة أو التعليم إلخ؟

< هل هناك تكنولوجيا أقل تكلفة لكنها تقوم بنفس الدور بكفاءة معقولة وإن كانت أقل من التكنولوجيا الأكثر كلفة؟ وهل نستطيع تحمل فارق الكفاءة؟

< إذا كانت هناك عدة تكنولوجيات تقوم بنفس الدور وبتكلفة متقاربة، نختار التكنولوجيا التى نستطيع أن نفهمها بعمق ونطورها ونستطيع القيام بصيانتها بأنفسنا.

< هل هناك وظائف ستختفى نتيجة استخدام تلك التكنولوجيا؟ وهل عندنا خطة للتعامل مع هذه البطالة المتوقعة؟

< هل هناك وظائف ستظهر نتيجة تلك التكنولوجيا؟ وهل عندنا الكفاءات التى ستتولى تلك الوظائف؟ 

الإجابة الدقيقة عن تلك الأسئلة ستساعد على اتخاذ القرار باستقدام تلك التكنولوجيا أو الاكتفاء بما عندنا. طبعا الأفضل هو أن نقوم نحن بتصميم وتصنيع التكنولوجيا واستخدامها وتصديرها للعالم، وهذا يأخذنا للنقطة التالية.

 

  • • •

ماذا علينا أن نفعل؟

السياسة العلمية ليست فقط لاستقدام التكنولوجيا من الدول الأخرى، وإلا كانت الدول الغنية هى دائما المتفوقة، لكن إذا نظرنا إلى خريطة العالم سنجد دولا غنية للغاية لكنها ضعيفة، إذ كل ما تستطيع هو فقط «شراء» التكنولوجيا وليس تعلمها، ثم تطويرها، ثم الابتكار، وهذا أهم جزء فى السياسة العلمية للدول، الشراء والاستخدام هى خطوة أولى ذات نتائج سريعة على المدى القصير، لكن ماذا بعد؟ يمكننا وضع خطوط عامة للسياسة العلمية للدول فى عدة نقاط:

< تحديد المشكلات الملحة التى تواجهها الدولة التى تريد بناء سياسة علمية نافعة.

< بعد تحديد المشكلات، تأتى خطوة وضع سلسلة من الأهداف الدقيقة لحل تلك المشكلات، والدقة هنا معناها أن الهدف واقعى وله توقيت معين ومدة محددة للتنفيذ وله نتائج يمكن بها معرفة إذا ما تحقق الهدف أم لا.

< بالتوازى مع النقطتين السابقتين يجب أن يكون هناك من يتابع التكنولوجيات الجديدة التى تظهر فى العالم فى المجالات المهمة للدولة، والمتابعة هنا ليست مجرد متابعة الأخبار لكن معرفة دقيقة بكل ما ينشر عن تلك التكنولوجيات حتى يمكن الإجابة عن الأسئلة التى ذكرناها أعلاه. 

< البدء فى استخدام التكنولوجيا التى تحتاجها الدولة لتحقيق الأهداف، وأثناء ذلك يجب متابعة كفاءة تلك التكنولوجيا وكيفية عملها، حتى يمكن تطويرها وصيانتها.

< بالتوازى مع كل ذلك يجب إنشاء برامج لاكتشاف الموهوبين فى المدارس والجامعات، هؤلاء الموهوبون سيكونون نواة الجيش العلمى الذى سيطور التكنولوجيات، بل ويبتكر. هذه النقطة الأخيرة ستؤتى أُكلها على المدى المتوسط.

مع اتباع تلك الخطوط العامة، ستكتشف كل دولة نقطة قوتها، وهذه النقطة يجب أن تجند لها الموهوبين حتى تصبح من المصدرين للتكنولوجيا، نجد ذلك مثلا فى هولندا التى أصبحت معروفة بشركة (ASML) وهى الشركة الوحيدة فى العالم التى تنتج أجهزة صناعة رقائق الكمبيوتر المتقدمة جدا، وتايوان التى تستخدم تلك التكنولوجيا من (ASML) وتنتج أكثر من نصف رقائق الكمبيوتر على كوكب الأرض عن طريق شركتها (TSMC)، وإذا تتبعنا الدول المتقدمة تكنولوجيا سنجد أنها بدأت رحلة الصعود بالتركيز على مجال واحد برعت فيه. 

أحب أن أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقالين سابقين لكاتب هذه السطور لهما علاقة بما تكلمنا عنه اليوم:

< «السياسة العلمية للدول النامية» بتاريخ 25 أغسطس 2023.

< «التكنولوجيا .. رفاهية للبشر وخطر جسيم» بتاريخ 22 أغسطس 2025.

  • • •

 

التكنولوجيا هى فى النهاية أداة لمساعدة البشر، والمساعدة التى تحتاجها كل دولة مختلفة عن الدول الأخرى لأن لكل دولة خصائصها وظروفها، وبالتالى على كل دولة أن تختار من التكنولوجيا ما ينفعها، لا ما تتفاخر به أمام الدول الأخرى.  

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات