ما أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
ما أهمية تلك الأجهزة؟
لماذا تُعتبر تلك الأجهزة من الأسلحة الخطيرة؟
عندما يأتى الحديث عن أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة فإن رد الفعل الأول يكون أقرب إلى الاستهجان وردود على غرار: «يا عم احنا عندنا أولويات تانية»، أو «وده حنعمل بيه إيه؟»، أو «هو احنا عندنا فلوس للكلام ده؟»، هذه الردود تعكس شيئين: الأول أن الناس لا تعرف الكثير عن هذه النوعية من أجهزة الكمبيوتر، والثانى أنهم يعتقدون أنها شىء من الرفاهية، مقالنا اليوم سيجيب عن النقطة الأولى ويفند الثانية.
كلنا اليوم نستخدم برمجيات الذكاء الاصطناعى مثل (ChatGPT) أو ما شابه، أغلب إن لم تكن كل الأدوية والأمصال التى نستخدمها تم إنتاجها باستخدام برمجيات محاكاة (simulations) شديدة التعقيد، الخدمات الرقمية التى نستخدمها مثل دفع فواتير التليفون والكهرباء الخ أو استخراج أوراق رسمية أصبحت متاحة للجميع، ما الذى يجمع كل تلك الأمثلة؟ هو استخدام أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، أى ليست أجهزة كمبيوتر عادية مثل اللابتوب أو أجهزة التابلت.
من الأمثلة السابقة نجد أن تلك الأجهزة ليست رفاهية، بل نحتاجها فى حياتنا اليومية، قد يقول قائل إن تلك الأجهزة أكيد مرتفعة التكلفة جدا، وقد لا نملك رفاهية شرائها وصيانتها ومن الأفضل استخدام خدمات شركات عالمية مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل بحيث نحتاج فقط الدخول على الانترنت واستخدام أجهزة الكمبيوتر التى يمتلكونها، ثم ندفع لهم مقابل الوقت الذى استهلكناه. هناك شركات كثيرة تقوم بهذا، شركات (Zoom) و (Netflix) و(Airbnb) تستخدم أجهزة شركة أمازون، وشركات مثل كوكاكولا و(OpenAI) صاحبة (ChatGPT) تستخدم أجهزة مايكروسوفت، صحيفة النيويورك تايمز وبنك (HSBC) تستخدم أجهزة جوجل، مع كل تلك الأمثلة ماذا يمنع أن نفعل مثلهم؟
أولا: هناك اعتبار أمنى لاستخدام أجهزة الشركات الكبرى التى ذكرناها معناها أن نضع جميع معلوماتنا بين أيديهما، هذا قد يكون مقبولا فى بعض المعلومات مثل الاسم والايميل وما شابه، لكن أرقام الباسبور والبطاقة وشهادة الميلاد ومعلومات أخرى كثيرة يجب أن تظل داخل حدود الوطن. ثانيا استخدام تلك الشركات معناه أن نضمن أن سرعة الإنترنت يجب أن تكون كافية ومستقرة، هذا متحقق بشكل كبير فى مناطق عدة. لذلك هناك بعض الشركات عندنا تستخدم خدمات الشركات الكبرى، لكن بالنسبة للخدمات الحكومية والمؤسسات التى تتعامل مع المعلومات الحساسة يجب أن تمتلك أجهزتها.
لكن عندما نتحدث عن أجهزة الكمبيوتر العملاقة تلك، هل هى نوع واحد؟
• • •
ماهية هذه الأجهزة
هناك ثلاثة أسماء يجب أن نعرف الفروق بينها: الخوادم (servers) ومراكز البيانات (data centers) وأجهزة السوبر كمبيوتر، الشىء المشترك بينها أنها جميعا أجهزة قوية وأسرع بآلاف وفى بعض الأحيان بملايين المرات من أحدث جهاز لابتوب مثلا، وأن هذه الأجهزة تستخدم وسائل للبرمجة أكثر تعقيدا من أجهزة الكمبيوتر العادية، أما عن الاختلافات:
• الخوادم: هى أجهزة كمبيوتر قوية تؤدى خدمات لأجهزة كمبيوتر أخرى مثل توفير بيانات أو تشغيل برمجيات، فأنت عندما تطلب بيانات بمخالفاتك المرورية عن طريق الانترنت فأنت تستخدم كمبيوتر (نعم فتليفونك أو التابلت هو نوع من أنواع الكمبيوتر) يطلب خدمة من هذا الخوادم.
• مراكز البيانات: هى تجميع لعدد كبير من الخوادم لتعمل معا لخدمة عدد كبير من الأشخاص، هذه الأجهزة القوية متصلة ببعضها وتمتلك عددا مهولا من البيانات وتحاول خدمة أكبر عدد من الناس فى وقت واحد.
• السوبر كمبيوتر: هو جهاز عملاق مرتفع التكلفة جدا مهمته القيام بمليارات العمليات الحسابية فى الثانية الواحدة، هذه العمليات الحسابية قد تكون نظم محاكاة لابتكار دواء معين أو لتدريب واستخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى أو للتحكم فى الأسلحة أو الخدمات مثل شبكات الكهرباء والمياه إلخ، إذا كانت مراكز البيانات تهدف إلى خدمة أكبر عدد من الناس فى مدة قصيرة فإن مهمة السوبر كمبيوتر هو الانتهاء من عمليات حسابية معقدة فى أقل وقت، مثل الحصول على الرد من (ChatGPT) دون الحاجة للانتظار طويلا.
الاتجاه الآن هو دمج مراكز البيانات والسوبر كمبيوتر فى جهاز واحد عملاق لتقليل التكلفة، فى كل الأحوال هذه الأجهزة تعتبر سلاحا خطيرا.

• • •
سلاح خطير متعدد الأوجه
أجهزة الكمبيوتر يتم استخدامها لتصنيع الأسلحة وللتشفير ولكسر التشفير وبالتالى للهجمات السيبرانية، ولهذا تعتبر من الأسلحة الخشنة أو الصلبة، لكنها فى نفس الوقت التكنولوجيا اللازمة للذكاء الاصطناعى بكل أشكاله بما فيها المحادثة وصناعة الصور والفيديوهات والتحليلات إلخ وهى من هذا المنظور من القوة الناعمة.
برنامج مثل (ChatGPT) تم تدريبه (قبل أن نستخدمه) على بيانات لا نعرفها وبالتالى لا نعرف أن كانت صحيحة أو كاملة أو متحيزة، وهذا شىء فى منتهى الخطورة لأن الإجابات التى نحصل عليها منه خاصة فى الموضوعات الشائكة هى الإجابات التى تم تدريبه عليها. إذا أردنا عرض وجهة نظرنا فيجب تدريب برمجيات الذكاء الاصطناعى على بياناتنا، وهذا يحتاج أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذا أيضا من قبيل القوة الناعمة.
فى النهاية أود أن أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقالات ثلاثة لكاتب هذه السطور متعلقة بموضوع مقال اليوم:
• «الحاسبات فائقة السرعة سلاح استراتيجى» بتاريخ 26 مارس 2022
• «المحاكاة: هل تنقذ العالم؟» بتاريخ 17 نوفمبر 2023
• «أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة: هل نعرف حقا ما هى؟» بتاريخ 20 سبتمبر 2024

• • •
أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة لم تعد رفاهية، بل سلاح خشن وسلاح ناعم فى الوقت ذاته، وتعامُلنا معه يجب أن يتعدى مجرد شراء أحد تلك الأجهزة، إلى القدرة على تجميعه وبرمجته واستخدامه الاستخدام الأمثل، ونحن نمتلك المواهب القادرة على كل ذلك، ونحتاج فقط توحيد جهودها.