دورة حياة البيانات فى الذكاء الاصطناعى التوليدى - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الأربعاء 19 أغسطس 2026 8:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

دورة حياة البيانات فى الذكاء الاصطناعى التوليدى

نشر فى : الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 7:14 م

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعى التوليدى محصورًا فى جودة المخرجات أو سرعة تبنى المؤسسات له.
السؤال الأهم أصبح: ماذا يحدث للبيانات الشخصية منذ لحظة جمعها، مرورًا بتدريب النموذج وتشغيله، وصولًا إلى مرحلة الاعتراض أو طلب التصحيح بعد النشر؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، لأن البيانات لم تعد تدخل النظام وتخرج منه فى صورة واحدة؛ فقد تتحول إلى بيانات تدريب، أو تضمينات رقمية، أو مدخلات مستخدمين، أو مخرجات مولدة قد تتضمن معلومات عن أشخاص حقيقيين.
أحد أبرز الادلة والإرشادات المقترحة أخيرًا هى الإرشادات الصادرة عن لجنة حماية البيانات الشخصية فى سنغافورة بشأن استخدام البيانات الشخصية فى الذكاء الاصطناعى التوليدى ADVISORY GUIDELINES ON USE OF PERSONAL DATA IN GENERATIVE AI، والصادرة عن Personal Data Protection Commission والتى تُعرف اختصارًا بـ(PDPC) والتى قد وضعت تصورًا عمليًا لهذه الدورة.
فهى تقسم المسألة إلى ثلاث مراحل: التطوير، والنشر، وما بعد النشر، وتؤكد أن حماية البيانات لا يمكن أن تترك لسياسة خصوصية عامة أو بند واسع عن تحسين المنتجات.
فالغرض من استخدام البيانات فى تدريب نموذج توليدى يجب أن يكون مفهومًا ومعلنًا على نحو يمكّن الفرد من منح موافقة ذات معنى وإدراك واضح.
فى مرحلة التطوير، تظهر أول منطقة توتر: جمع البيانات من الإنترنت.
فالإرشادات تقر أن البيانات المتاحة للجمهور قد تستخدم فى بعض الحالات من دون موافقة مسبقة، لكنها لا تعامل كل ما يظهر على الشبكة بوصفه مباحًا تلقائيًا، إذ إن وجود حاجز رقمى، مثل بوابة دفع، أو اشتراط تسجيل، أو آلية تحقق، أو أدوات منع زحف آلى، يستدعى تقييمًا خاصًا لغرض هذا الحاجز وأثره العملى.
كما تفصل الإرشادات بين مشروعية الاعتماد على استثناء البيانات المتاحة للجمهور وبين الالتزامات التعاقدية أو شروط الاستخدام التى قد تحظر استخراج البيانات آليًا.
أما إذا كانت المؤسسة تستخدم بيانات المستخدمين لتدريب نموذج توليدى أو ضبطه، فلا تكفى الإشعارات العامة. الإرشادات تشترط إشعارًا خاصًا بالذكاء الاصطناعى يوضح وظائف النموذج، وأنواع البيانات المستخدمة، وطريقة استخدامها فى التدريب أو الضبط، وكيف يمكن الفرد رفض هذا الاستخدام أو سحب موافقته.
وهذا الاتجاه يعيد الاعتبار إلى فكرة الشفافية العملية:
ليس مطلوبًا شرح تقنى معقد، بل إخبار واضح بما سيحدث للبيانات ولماذا؟
فى مرحلة النشر، تصبح المسئولية أكثر تعقيدًا.
بحيث إن دورة الذكاء الاصطناعى التوليدى تضم مزودى النماذج، ومزودى الأنظمة، والجهات التى تنشر النظام وتستخدمه داخل أعمالها.
وتؤكد الإرشادات أن مزود النموذج الذى يعالج بيانات شخصية يظل خاضعًا لالتزامات حماية البيانات، بما فى ذلك حدود الاحتفاظ بالبيانات وسياسات حذفها أو إزالة إمكان ربطها بالأفراد عند انتهاء الغرض المشروع من الاحتفاظ بها.
وتتحمل الجهة التى تنشر النظام مسئولية خاصة، لأنها تختار حالة الاستخدام وتحدد ما يدخل إلى النظام من بيانات. لذلك عليها تحديد الغرض بدقة، ومنع استخدام البيانات خارج هذا الغرض، ووضع ضوابط للمدخلات والمخرجات وسجلات الأوامر والبيانات المؤسسية الداخلية. وتزداد هذه المسئولية عندما يتخذ النظام صورة «وكيل ذكى» قادر على التخطيط واتخاذ خطوات متعددة؛ إذ قد يؤدى اتساع صلاحياته إلى وصول غير مبرر لبيانات لا يحتاجها فعلًا.
فى مرحلة ما بعد النشر، لا تسقط حقوق الأفراد بسبب صعوبة التقنية.
فحق الوصول والتصحيح يظل قائمًا من حيث الأصل، حتى إن كان تحديد البيانات داخل نموذج توليدى أكثر تعقيدًا من البحث فى قاعدة بيانات تقليدية.
وتعترف الإرشادات بصعوبات عملية، مثل تخزين البيانات كتضمينات أو وجودها موقتًا فى نوافذ السياق، لكنها تدعو إلى إجراءات مسبقة: التحقق من دقة البيانات عند الجمع، تنظيف البيانات، توثيق مصدرها، مراجعة الطلبات حالة بحالة، وحذف البيانات غير الدقيقة من مجموعات التدريب قبل أى تشغيل تدريبى لاحق.
الخلاصة أن حماية البيانات الشخصية فى الذكاء الاصطناعى لا تبدأ عند وقوع خرق، ولا تنتهى عند نشر سياسة خصوصية، فهى التزام مستمر وممتد عبر دورة حياة كاملة ويتحقق ذلك من خلال جمع مشروع، إشعار مفهوم، تقليل للبيانات، توزيع واضح للمسئوليات، ضوابط تشغيلية، واستجابة جدية لحقوق الأفراد بعد النشر.
ومن دون هذه السلسلة، يتحول الابتكار إلى معالجة واسعة للبيانات بلا مساءلة كافية.


إسلام محمد سرور
جريدة النهار العربى

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات