نشرت جريدة النهار العربى مقالًا للكاتبة ليال غدار تناولت فيه التوسع المتسارع لاستخدامات الذكاء الاصطناعى داخل المنازل، وكيف تحوّل من أداة لتحسين الإنتاجية إلى شريك رقمى يشارك الأسر تفاصيل حياتها اليومية، مستعرضة الفرص التى يتيحها فى إدارة شئون الأسرة وتربية الأبناء، إلى جانب ما يثيره من تساؤلات بشأن الخصوصية والعلاقات الإنسانية وتأثيره فى التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة.. نعرض من المقال ما يلى:
لم يعد الذكاء الاصطناعى يقتصر على المكاتب وقاعات الاجتماعات أو على زيادة الإنتاجية فى بيئات العمل، بل بدأ يتسلل إلى أكثر الأماكن خصوصية فى حياة الإنسان: المنزل. ففى السنوات الأخيرة، تحول من أداة تُستخدم عند الحاجة إلى رفيق رقمى حاضر باستمرار، يساعد فى تنظيم شئون الأسرة، وإدارة المواعيد، وتخطيط الوجبات، ومتابعة تعلم الأطفال، بل حتى تقديم الدعم العاطفى وإجراء محادثات يومية تبدو أقرب إلى الحوار الإنسانى. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح هو ما الذى يستطيع الذكاء الاصطناعى القيام به، بل كيف سيغير شكل الحياة الأسرية والعلاقات داخل المنزل؟
وتؤكد المؤشرات أن شركات الذكاء الاصطناعى تنظر إلى المنازل باعتبارها المرحلة التالية من التوسع. فقد كشفت تقارير حديثة أن شركة OpenAI تعمل على تطوير جهاز منزلى ذكى يعمل من دون شاشة، صُمم ليكون رفيقًا ذكيًا يتفاعل مع أفراد الأسرة بشكل دائم، فى خطوة تعكس الانتقال من المساعدات الصوتية التقليدية إلى أنظمة تتذكر العادات اليومية، وتتعلم من أفراد الأسرة، وتتوقع احتياجاتهم قبل طلبها.
ولم يعد هذا المشهد مجرد تصور مستقبلى، بل أصبح واقعًا فى كثير من المنازل. فقد استعرضت مجلة The New Yorker قصة أسرة أمريكية أصبحت فيها الأم تعتمد على مساعدها الذكى لإدارة تفاصيل الحياة اليومية والتنفيس عن ضغوطها، بينما اعتادت إحدى ابنتيها الحديث مع «شات جى بى تى»، ولجأت الأخرى إلى روبوت محادثة متخصص فى الصحة النفسية.
كما عرضت مجلة The Cut تجربة رائدة أعمال أمريكية تستخدم مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعى لإدارة التسوق، وتنظيم تعليم أطفالها المنزلى، وإنجاز المعاملات القانونية والمالية، فى نموذج يعكس مدى اندماج هذه التقنيات فى تفاصيل الحياة الأسرية.
وتدعم الأرقام هذا التحول المتسارع؛ إذ أظهر استطلاع أجراه مستشفى لورى للأطفال فى شيكاغو (Lurie Children's Hospital) ونُشر فى أيارمايو 2026 أن 81% من الآباء والأمهات استخدموا الذكاء الاصطناعى للمساعدة فى مهمات تتعلق بتربية الأبناء، بينما أظهرت دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) أن 64% من المراهقين الأمريكيين يستخدمون روبوتات المحادثة، معظمهم لأغراض التعلم والبحث، إضافة إلى الترفيه.
لكن هذا الانتشار يثير تساؤلات عميقة حول الخصوصية والعلاقات الإنسانية. فالباحثون فى معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعى المتمحور حول الإنسان (HAI) يشيرون إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعى لا يقتصر على الشخص الذى يستخدمه، بل يمتد إلى جميع أفراد الأسرة، لأن وجوده داخل المنزل يؤثر فى بيئة التفاعل اليومى. كما تحذر عالمة النفس التنموى آن ماهيو من جامعة نورث كارولاينا فى تشابل هيل من أن المراهقة تُعد مرحلةً حساسة لاكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية، وأن الاعتماد المفرط على روبوتات المحادثة قد يقلل من فرص تعلم إدارة الخلافات والتواصل الإنسانى الحقيقى.
ورغم ما يوفره الذكاء الاصطناعى من راحةٍ وكفاءة، فإن ثمنه قد لا يكون ماليًا فقط، بل يمتد إلى البيانات الشخصية والخصوصية والعادات اليومية التى يجمعها باستمرار. لذلك، فإن التحدى الحقيقى لا يكمن فى منع دخول الذكاء الاصطناعى إلى منازلنا، بل فى بناء ثقافة رقمية واعية توازن بين الاستفادة من إمكاناته الهائلة والحفاظ على خصوصية الأسرة، وتنمية مهارات الأطفال الاجتماعية، وضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعى أداةً تدعم العلاقات الإنسانية لا بديلًا منها. ففى الوقت الذى قد يغيّر فيه الذكاء الاصطناعى اقتصاد العالم من خلال أماكن العمل، يبدو أن تأثيره الأعمق قد يبدأ من المكان الذى نصنع فيه شخصياتنا وقيمنا.. المنزل.